مناجاة بلسان القلم

عندما نعود بالزمن لندقق ملفات الماضي، فنلاحظ أننا غدونا غرباء، وأن لغة التذكّر لم تعد مفهومة، يشرع الارتباك في الزحف نحو تصرفاتنا، كأن تلك الأرض أجنبية ولم تكن يوما أرضنا. مع أننا لسنا نبحث فيها عن الخطأ أو موضع الحزن والندامة، بقدر ما نبحث عن أنفسنا، عن معنى ما عشناه، ومنابع الشوق والحنين، وعن الابتسامة أينما نثرناها؛ وذلك بالتّحري عن كلّ دليل يثبت “تواجدنا هناك روحا وجسدا”، وبالتمعن في اللحظات التي سيطرنا فيها والأخرى التي جعلتنا نسلّم مصيرنا للزمن.

وفي ظل هذه المعارك الداخلية، تنبجس منا الحيرة، وتنطلق أسهم الاستفهام بحثا عن أسباب هذا الانقلاب، واحتمال أن تكون كلّ صفحة جديدة في حياتنا، صحوة من غيبوبة انتشلت أرواحنا منّا لفترة من الزّمن. فهل كنّا دائما أصحاب القرار؟ هل كان وعيُنا حاضرا طوال الوقت؟ هل بسماتنا حينها انطوت على شعور بالسّعادة حقّا؟ وهل دموعنا أريقت في محلّها؟ وأخيرا وليس آخرا، كيف نجيب عن كلّ هذا؟

كثيرة هي التساؤلات حتى من الناحية الإحصائية، ولا أراني أحصيها كلّها أو أجيب عنها لوحدي، ولا أظنني قادرا على ذلك مهما حاولت، لأنني لست سوى مترجما، من لغة التفكّر إلى لغة الضاد، وآلةً تدفع القلم ليتأرجح بين أبعاد الزمكان، مثلما يُرغم الشرودُ الوعيَ على التيه في مواطن التفكير. ومن باب الصدفة، وجدتُني أسرد ما يجول في خاطري، وأحكي، كأن نفسي تناجي نفسها، وكأنك أيها القارئ إحداهما. لهذا، أترك لك التّوسيم على ما نزفته من مِداد، وأؤمنك مهمّة التشخيص ومسؤولية إسقاط التجارب على الأسطر، شريطة اقتحام كلماتي واحدة تلو الأخرى، والتوغل بين حروفها بغية التنقيب عن حفنة ماء، لتنفض بها آثار السبات، وتمسح نقوش المخدة الناعمة من على محيّاك.

فما أتحدث عنه، هو ببساطة ذلك الهدوء الذي يلي الضجيج، وذاك الصمت بعد ساعات اللغط؛ ومن منظور آخر، أقصد حياة هادئة بسيطة، يدعمها روتين ممل نذوب في رتابته، بعدما عوّدنا الماضي تلوّنه كالحرباء، وتزويدنا بجرعة الإثارة باستمرار. كما ألمّح أيضا لكلّ مسرحيّة لعبناها على أرض الواقع، وانتهى دورنا فيها على حين غرّة، كما لو أنها كانت حلما. ولعلها حلم فعلا، بما أن الأحلام هي مسلسلات تنتهي قبل الحلقة الأخيرة، وساعة بعقرب واحد يدور على هواه.

والأغرب في عمليات استحضار الماضي، أن هذا العقرب الوحيد الذي ذكرته الآن، لا يكفي لامتصاص كلّ ما نرغب استحضاره، إذ تبقى التفاصيل عالقة كبقايا الوجبات بين أنياب النّسيان، ونبقى بدورنا عاجزين عن تخطي هذه العثرة.

وزيادة على ذلك، فإن أوجه التشابه بين الحياة التي قد نصطلح على تسميتها “الغيبوبة” وبين “الأحلام”، تتعزّز بامتناعهما عن منح البدايات عنوانا دقيقا أو تعريفا واضحا، في حين تتجلى النهاية بكليهما في جدار اليقظة، الجدار الذي نراه أول مرة بعدما نرتطم به، بعد أن ننسى هويّتنا من السهاوة في الفتن، وإلا لما كنا ارتطمنا به أساسا، ولواصلنا السبات إلى أجلٍ خارج عن إطار المعلوم.

وكما في كلّ الشرور خير، ففي الارتطام بهذا الجدار فرصة لاستيعاب للحقائق، وبالخصوص حقيقة أننا لم نكن قطّ صفحة بيضاء، ولم نكن حياة جديدة حتى لمّا أنجبتنا أمهاتنا أول يوم، كما هو حال كلّ جيل، ما دام من يربّي يقول: الجيل التالي سيكون أحسن منّي، سيدرس أو سيمرح أو يفعل كذا وكذا.

شخصيا، أظنّ السبب أن الأجيال محض كتب جديدة تُصنع بعدما تمتلئ القديمة عن آخرها، أو لأن البشرية سلسلة من المحاولات، تهدف كلّها بإلحاح صوب تحقيق أول أمنية تمنّاها أجدادنا؛ وإلا فكيف نفسّر كون الأماني والأحلام لا تنتهي، إذا لم تكن مشعلا تتناقله الأجيال ويمرّره كلّ والد لولده، باعتبار أنها ليست كائنا حيا، وليست قوة مستقلة عن ذات الإنسان، حائزة قدرة البقاء بشكل مستقل.

وبعيدا عن صحة تفكيري، شاذا كان أو طبيعيا، فمن الواجب إعادة النظر في تعاملنا مع الأجيال الجديدة، لنمنع انقراض المبادئ الأصيلة، ونتفادى نفاذ العزائم التي لا تتردد كلّما بلغت مفترق طرق.

فإننا وحتى وقتنا الحاضر، نعبئ أطفالنا، نسيرهم عوض تربيتهم وتصفية الأفكار السالبة فحسب، وبدل مراقبة طريقهم من بعيد، نقوم بانتشالهم منها فجأة، عندما نلمح بوادر النضج تتبدّى عليهم. نلقيهم أمامنا -بعد همس أمنية من أمانينا في أذنهم- مثقلين بالآمال التي عقدناها عليهم، ومسلّحين ببرّهم ورغبتهم في إرضائنا ورد الجمائل. نقذفهم كنوع من الأسلحة وسط معركة لم يكونوا قط طرفا لها، ولا كان لهم دافع مباشر للخوض فيها.

وابتداء من تلك اللحظة، منذ أول خطوة نخطوها في طريق غيرنا، نغطّ في الغيبوبة، وغالبا ما نسرف في الغطيط، إلى أن نرتطم بذلك الجدار، أعني جدار اليقظة؛ فتتفرغ الدنيا من كل مشاغلها، فقط لفتح أعيننا، وإرغامنا على تقبّل المنظر كيفما كانت فظاعته. ونحن من ترعرعنا في دلال الإعلام، ينذرنا قبل عرض أي مشهد لا يصلح لصغار السن، فماذا عن صغار القلب خارج التلفاز؟ فإما أنهم عمي لا يرون التحذيرات، وإما أن قلوبهم صغيرة فعلا لدرجة الشفافية، فلا يرى أحد أي اعتبار، ولا يرى منذرٌ حاجة في إنذارهم.

والمهم، أن هذا الإدراك الجديد، ولو متأخرا، هو انبعاث للروح، ولكن هذه المرة بجسد أكبر، جسد يوهم المجتمع بأننا بالغين، مما يدفعهم للمطالبة بأداء ضريبة الوجود والانتماء، ضريبة معنوية تتمثل في التحلي بصورة تليق بتوقعاتهم ورغباتهم. فأي الولادات عسانا نتمنى، وأيّها قد يتوِّج ذاتنا بفرصة؟

وبما أن الخلق هو الوحيد الذي لا نهاية قبله، بإمكاننا تجاهل الحديث عنه، لنقتصر على مناقشة ما نعرفه، أي، الصفحة الجديدة التي لنا يد في تكوّنها، أو بمعنى آخر: التركيز على اليقظة بعد سبات روحنا الطويل.

فإلى ماذا نحتاج بعدما نصحو من غيبوبة سنوات، غير “الوقت” والترويض، ومن يمنحنا إياهما غير الله، وحده لا شريك له، الذي إذا لم يكتفِ بإرسال جنوده من البشر ليدعموا ظهورنا، يتولى بنفسه زمام الأنس، يزرع في تربتنا بذرة من الجمال، ويحصننا بسور من الإيمان لا ثاني له في الوجود. والهدف؟ وهبُنا الشجاعة الكافية للمخاطرة برمي الخطى من جديد، فالخطر في دروس المشي هذه المرة، ليس كأول درس أخذناه في الطفولة، لا يتمثل في خدوش أو كدمات يشفيها حنان الأم والمرهم، إنما هي ثغور من اليأس تصيب القلوب، تجعل كل طبيب غير الله ينسى طبّه، وكل أنيس غيره تعالى يعتزل أنسه.

وإذا تساءلنا: لماذا سنخطو من جديد؟ لأنه وببساطة، هناك ملايين الناس يرون موقعنا حلما وهدفا. علاوة على أن الله في خطابه لنا (من القرآن)، كما لاحظ أحد الدعاة، لا يذكر مرادفات الحزن إلا بالنهي، “لا تحزن” و”لا تقنطوا” و”لا تيأسوا”…وغيرها من الوصايا، والخروج عن وصاياه خروج عن طاعته.

والحصيلة، أننا بدل دفع ثمن المبالغة في بناء أحلام لا حدود لها، نكون قد نلنا فوزا لا تحصره السماوات السبع ولا ينهيه تعاقب الأزمان، ألا وهو التماس المعنوي مع الله، وإدراك الحياة بشكل أوضح. وإذا حاولنا عنونة ما فصلته حتى الآن، تكفينا ست كلمات لذلك: حلم كبير…خيبة كبيرة وربٌّ أكبر.

وكما هو واضح، فإن تفكيري الشبيه بالجرح، الذي كلّما سال عجزت عن إيقافه دون تدخل خارجي، يقوم الآن بجرف كتاباتي معه. وجدير بالذكر، أنني أتلذذ بهذه الجولة في كلّ مناسبة، وهي سلوى أزهد بها عن هواية السفر التي تتبناها جميع السير الذاتية، مضحيا بالمناظر وصخب الشوارع المزدحمة، ومحتفظا بصمتي، استغلالا لكلّ ثانية أقضيها مع عقلي، قبل أن أفقده.

والمضحك، أنني بدأت هذه المقالة دون تحديد نقطة الوصول، بلا قواعد ودون حدود، كما قلت سابقا “كأن نفسي تناجي نفسها”. مما يفسر كوني ما زلت أجهل كيف أختم الحديث، في انتظار إلهام قادر على وهبي ختاما لائقا، وسحبي من دوامة التفكير، ليقلب منحى المقالة كما تقلب أشعة الشمس عرش الظلام، لتطبّق قانون الإنارة على كوكبنا التعيس.

لكن حتى الآن، لا أرى لذلك الإلهام طريقا، ولا أرى ما يسكتني غير شعار “ما قلّ ودلّ”، الذي لم أحترمه إطلاقا. وبما أنني أجهل كيف أرسم خطوط الخاتمة، أو بصراحة، لا أريد أن أرى لخاتمة التفكير وجودا، لأن وجودها ينفي وجودي، حسب نظرية ديكارت الشهيرة (أنا أفكر إذن أنا موجود).

لهذا، سأختم بجملة تصلح خلف كلّ سؤال صعب، كالبطل تنجدنا في شتى المآزق. نستعملها عندما تخشى الكلمات الخروج، وتأبى الاعترافات الظهور، جملة أنهي بها شكاويّ وأنهي بها استرزاقاتي، ولو وعدني الله جنته، لجعلت من حروفها أنصلا أنهي بها حياتي، إنها وبعد بسم الله المتأخرة هاته: “الحمد لله”.