مناجاة فردية: عودة من الموت

كنت أركض بسرعة ثم جلست قليلا متكئة على حائط مائل، لست أدرك كيف للحائط أن يكون شيئاً أحسه لكنني لا أراه، أنظر إلى شكلي المبعثر وإلى يداي المكبلتان، أحاول لمس فمي لكن وجوده منعدم، أشعر بالتراب يتوغل بجسمي وبدوت متسخة به، وزمهرير الهواء بداخلي يكاد يجعل من شراييني مرمراً لولا ذاك الصوت الخفي الذي يتسرب إلى مسامعي، فيوقد دفئاً بعروقي يجعل كريات الدم تجري باتجاه قلبي لتمنحه عبوة الحرارة، إنني ظننت أن المكان مهجور لولا هذا الهمس الطيب الذي جعله آهِلاً.

ظلام حالك لكنني أبصر الأشياء من حولي، ولا شيء حولي سوى الهواء، نهضت من حالي هذا أهرول نحو المجهول، فلا شيء يلفت انتباهي والسواد مستمر، لا بساط تحت قدماي فكأن الأرض كانت سرابا، والخوف يمتص الأكسجين مني. أواصل السير بثقل اتجاه منبع الصوت الذي صارت تظهر مقاماته خطوة تلو الأخرى، أكاد أقترب من مؤنسي، هذا الفاتن الذي يجذبني إليه برناته الغامضة كأنه هنا من أجلي وكأنه يخبرني أنني لست وحيدة، ثم أحسست بشيء غريب يسحبني إلى الوراء وأنا بكامل ما تبقى من قواي أحاول التخلص منه لأمضي قدماً، قلبي جن من الصراخ وعقلي تسارعت وتيرة أفكاره، أي غريب يتبع؟ لكنه توقف لبرهة فنظر إلى الغريب الذي يجره بالاتجاه المعاكس للصوت، كان شيخا كبيرا بلحية طويلة بيضاء صافية ولا شيء آخر منه بازغ، سوى عينيه اللتان كانتا بزرقة السماء، ترك يدي وقال: كفاكي ركضاً واسترخ فذلك الصوت سيصلك، دعيه فهو قادم إليك، ثم اختفى. جلست أترقب صدق قوله، فبدأت أتساءل هل يعقل أنني أركض بمكاني والصوت هو من يأتي إلي؟

مقالات مرتبطة

مضى بعض الوقت وأنا ساكنة بهذا القبو المهول، فبدأت أشتم بالجو أريجاً أعرفه جيداً، إنه المسك، الريحان! وقفت مندهشة فإذا بذلك الصوت حقاً يقترب مني شيئاً فشيئاً حتى بدا واضحاً، لم يكن غريبا علي، بل كان صوتي! كيف ذلك؟ من أين يأتي صوتي إن لم ينبثق من ذاتي؟ وما هذا اللحن؟ سقطت أرضاً أمسك برأسي الذي يوشك على الانفجار ليس من صوتي الخارجي بل الداخلي، حاولت أن استرخي كما قال العجوز وبدأت أستمع إلي بتمعن، بدأ القيد ينفك عن يداي وشفتاي تتفتح كنبات زهري اللون، والعرق يتصبب عرقاً آخر مني كأنه تجمع قطرات الندى بفصل الربيع، وجسدي كله يرتعش، وتوقف التراب عن الانسكاب علي، فبدأت أحس بنوم عميق يجتاحني ورموش عيناي تعانق بعضها في هدوء كوني مريح، بدأت أشعر بيداي مفترقتان وشفتاي تهمسان بكلام عذب يفوق الجمال جمالاً، ففتحت عيناي على مكان آخر أشد إضاءة وكنت مازلت أرتل أحب السور إلى قلبي: {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً} [الكهف: 46].

إن هذه الدنيا لحظات قليلة وتنتهي، ولا تعلم متى ينتهي حقك فيها، مادمت حياً تتنفس، لا تستهن بأي عمل تقوم به سواء كان سيئاً أو جيداً، لأنك ستلقى ما فعلته حاضراً يوم تطوى صفحة حياتك، واعلم أن كل عمل تراه أنت بمقدار ذرة يراه الله بقدر الكون، وسر في حياتك تبتغي رضى الله، تلقى الرضى أينما غدوت.

دع لك في الحياة طريقاً تسلكه إلى الله، حبلا قوياً مفتولا بحبك لله، اتصالاً دائماً بالله، فكل عمل صالح قمت به في دنياك سيصلك حتماً بجماله وطيبته وفتونه، فقط لا تمل وتيأس من رحمة الله، ولا تترك نفسك لوساوس الشيطان وخبث الناس، وتمسك بأقل جهد منك يقربك درجة من الله، فلا تعلم أي جهد قادر على أن ينير قبرك ويؤنس وحدتك ويفتح لك باباً من أبواب الجنة.

لن تعيش الدنيا بطيبها، ولن يرض عنك الناس، ولن ينفعك يوما مالك وجمالك…كل ذلك فانٍ، لأن كل ذلك متعلق بدنيا فانية، لكن أعمالك الصالحة بَاقِية، حتى وإن كانت بضعة جمل رددتها دائماً دون أن تعي قيمتها وفضلها، مثلا كالحمد لله، حمدك لله على كل شيء مر ويمر بك وأنت راضٍ ومطمئن، إن الله عز وجل لن يبخل عنك بشيء وكل خير تفعله يضاعف لك أجره، فإن لم تحصد في الدنيا طيباً فصبر جميل، فالصبر أيضاً باقٍ.