من أنت حين يصمت العالم؟

كم تبدو صراعاتنا الكبيرة صغيرة، وجدالاتنا الطويلة بليدة، وأحقادنا المتراكمة واهنة ونحن نراقب حياتنا تتلاشى من نوافذنا، مكبلي الأيادي والأحلام لا يسعنا إلا الأمل.

ها نحن اليوم مجتمعون كلنا فوق فراش الموت، نراقب الحياة من هواتفنا أو نودعها، نحاسب أنفسنا أو نعاتبها، وها هي الحياة تبصرنا تحت أسقفنا خائفين ومرتعبين. تتساءل كيف أبدو من نوافذكم الصغيرة؟ تراقبنا بحيرة، تكاد تتساءل لما الهلع؟ فقد اعتادت تحصيل أرقام قد تكون أكبر إما بسبب الحروب أو الحوادث أو السجائر.

بغتة، غدت الحياة غالية وصرنا لا نتوق سوى لمنزل يحضن أجسادنا الضئيلة ولقمة تبقي الأرواح بداخلنا ولصباح خالي الجنازات، عن نعمة الأمان أتحدث. وحدها الذكريات تعزينا وتبقينا صامدين، إما من أجل أنفسنا أو أحبائنا أو فقط من أجل “الحياة”، تلك الجميلة التي شوهتها صراعاتنا الظالمة وحروبنا الدموية.

والآن، فلنبصر ما يحيط بنا، ثم لنجب بهدوء، هل هذا الوباء يفتك بنا أم ينقذنا؟

يبدو أنه يذكرنا بأن الخلاص لطالما كان بين أيدينا، بين صفحات كتبنا وفي طيات ضمائرنا، أي أن نجاتنا ستكون بالوعي، والعلم، والتضحية ونكران الذات.

فهمنا ولو بأسوأ الطرق أن هذا الكون الصغير بحاجة لرعايتنا وأن السبيل لكي نحيا هو أن نحيا جميعا، أن نستقي الحياة من بعضنا البعض، كلوحة جميلة الألوان تتفتح ورودها بمياه السلام.

مقالات مرتبطة

لكن قبل أن نتعلم الدروس ككتلة جماعية، علينا أن ندركها أولا كأنفس متفرقة.

ربما الوقت الأمثل هو الآن، الآن ونحن متجردون من كل العباءات والأقنعة، الآن وكل المتاجر مغلقة وكل الأصدقاء بعيدون، وكل القطع الثمينة نائمة بالدولاب، وكل السيارات مسترخية، وكل المقاهي فارغة، وكل الحانات هادئة، وكل الستائر مسدولة والكل منشغل بنفسه، تأمل نفسك ببطء، قف أمام مرآتك وتساءل، ماذا صنعت الحياة بي؟ قف رغم الارتباك وشاهد انعكاس أجزائك وهو يختصرك في صورة معلومة، وتساءل، هل تراك رسمت أنت صورة واضحة عن نفسك، عن كل المغارات بباطنك؟

الآن، انظر لما هو أعمق من أنفك الطويل أو بثورك الكثيرة، انظر للطفل بداخلك، للحطام بداخلك، للجمال الحقيقي. راقب التدفق بداخلك، ترصد القلق وهو يقنصك، الوجع وهو يصيبك، الحب وهو يستعمرك.

تأمل نفسك ببطء، قف أمام مرآتك وتساءل، ماذا صنعت أنا بالحياة؟

ثم انظر لنفسك كقطعة كونية وجد موطنك، هل لك أن تهدي للموسيقى نوتة جديدة، أم علك ترسم تضاريس الأرض بشكل أخاذ، ربما تفصِّل إحدى ألغاز الفيزياء بكتاب علمي، أو تكشف أغوار النفس البشرية وفق نظرية جديدة أو تدافع عن حقوق الإنسان.

اسأل أي الأشياء أنا؟ نقب عن مكوناتك وجد لنفسك قالبا. الآن وكل الأشياء منطفئة ما الذي يشعلك؟ أي الأشياء أنت؟ أم أن كل الأشياء أنت؟

وسط كل هذا الحطام، أي قطعة سترمم من جديد؟

1xbet casino siteleri bahis siteleri