من اغتنى بفضائل الناس استغنى عن فضلهم

0 1٬185

صدفة التقيت به وفي خضم حديث سريع اقترح علي الصديق العزيز مهدي أن أسافر معه للمدينة الزرقاء. وبعد يوم وجدت نفسي بدون سبق إصرار في القمة العالمية للصالح الإجتماعي التي نُظمت من طرف مندوبية الأمم المتحدة و “ماشابل” في مدينة شفشاون، في إطار اللامركزية، بالموازاة مع مدن عالمية أخرى مثل نيويورك  وأماكن أخرى أقل أضواء وإشعاعا.

كان التنظيم على مستوى عال و النقاش كذلك، بداية. لكنه سرعان ما ابتعد عن الموضوع الأساسي و تحول إلى استعراض لإنجازات شخصية مع تحفظ كبير في ادلاء الآراء الجريئة و الصريحة. عوض المناظرة في ما ينتظر العالم من تحديات و تحولات، و طرح مقترحات و أفكار مشاريع ذات المدى المتوسط و البعيد في أفق ()، الشيء الذي يصب في صلب انعقاد القمة،  يعني أن نلقي نظرة نقدية على الحاضر متطلعة للمستقبل ونحضر لها، عوض تمجيدات الماضي و سرد انجازات بعيدة عن الصالح العام.

انتهت القمة و أخذ الحاضرون صور مع المحاضرين الخفيفي الطلة و الطالع و أنا واسيت نفسي و خيبتي التي زادت من حدة العياء. لأنني لم أصعد لقمة الإلهام التي كنت أتطلع إليها! و لم أروي عطشي لجرعة أمل من أجل الصالح العام.

بعد بضع ساعات ذهبنا لتناول وجبة العشاء مع الفريق المنظِم و المنظَم. انعزل المحاضرون في جانب آخر. كأنه جانب مخصص للفي آي بي فقط وكنا نحن من العامة الغير المحظوظين برفقتهم! أكلت وجبة البطيئة جالسا، لذيذة كانت بطعم جلسة أخوية في جو مرح رفقة طاولة البسطاء “البؤساء”، ووجدت الصمت رنانا في الركن الآخر، وكأن المحاضرة لم تكتمل بعد، وكأن الجد مال إلى “البؤس” و حل على صاحب ربطة العنق الأنيقة، أهاكذا يرتاح أكثر؟ استمتعنا بموسيقى الكمنجات السريعة وودعت يومي حافي القدمين في بيجامة قديمة.نسيت كل أشياء الغياب. وختمت ليلتي على صوت درويش.

لن تحتاج إلى جهاز إنذار في مدينة شفشاون لكي تستيقظ في الصباح. نصيح على صياح الدياك وبرودة الهواء العذبة. توقظنا الطبيعة ونوقظها بقيامنا! في هذه المدينة المزرقة أزقتها و المبيضة وجوه سكانها ينقطع الإتصال نوعا ما بالعالم الرأسمالي و التسيّس و التلفاز والزحام، و يتم الإتصال بالناس الرقيقة الراقية “اللي بتضحك على طول” و كذا العفوية و البساطة في المظهر و المخبر. و تحس بنفسك داخل مجتمع “حي” فنيا و ثقافيا و إنسانيا و يتمسك بعضه ببعض، كالبنيان المرصوص. هذه المظاهر للأسف غير ملموسة عند الجميع و لا تعطى قيمتها. وهذا الغنى يرى بعين بائسة.

هنا موروث ثقافي و فني ـ على سبيل الذكر لا الحصرـ مهم جدا، الذي قد يترجم لقوة ضاربة قد تقضي على البطالة وتنمي الموارد الشبابية في مشاريع و ورشات واقعية و دائمة من أجل الصالح الإجتماعي،  لو كانت أعين المحاضرين شاهدة لهذة الثورة!

صعدنا بعد جولة في الأزقة لل”في آي بي” الذي يعجبني، إلى قمة الجبل المقابل للمدينة لكي نشهد لحظة الشروق التي تلون المدينة بصفرة طبيعية محتشمة. نظرنا الى الشاون بمنظار الفلاح الجبلي البسيط المتفائل بالتساقطات القادمة.. و تفاعلنا و تفاءلنا! و كان لي في الجبل تأمل أكثر و إستلهام أعمق. ورأيت فيها مدينة أضواء ونور!

10648967_10203618741603747_8574825109706118618_o

و في طريق العودة، في خلوة بين الجبال التقينا بفلاح تبدو عليه البساطة والبشاشة، استقبلنا بابتسامة عميقة، في حين كنا نستعد لتصوير الطبيعة، واقترب منا بفضول و حب الإستطلاع لما نصنع. ودار بيننا الحوار التالي:

السلام عليكم.. الله يعاون!

ـ و عليكم السلام الله يبارك فيك..

(ذهب إلى ركنه ثم عاد إلينا)

ـ هاك ها واحد الرمانات (يده ممدودة بفاكة الرمان ناصعة اللون)

ـ لا لا أشريف شكرا.

ـ شنو؟ صحابك بالفلوس.. اخود الله يهديك باسم الله!

حشمت و خديت داكشي و أنا أتطلع إلى وجهه البشوش معجبا بشخصه..

ـ أجي دوق الكرموس..

ـ يا سلام.. هادشي عسل

ـ هادشي راه طبيعي من عند الله.. كانزرعو بلا برودوي (بيو)

ـو شنو كاتزرعوا هنايا؟

ـ اوا هنا الجبل و الجو صعيب ماشي بحال الغرب كاندرو غير الكرموص و الهندية و الرمان و مطيشة و القرعة و فلفلة.. كانكلوا منو و الا بقا لينا كانبيعوا شوية باش نعاونوا بيه في الصيف..

خدينا من عندو بزاف حيت داكشي بنين و حيت هو رجل رائع بسخاوته و قناعته..

شفتو عمر بزاف قلت ليه: باراكا عليا خلي ليك شوية.

ـ الخير موجود حتا نتا! الحمد الله.

بعد أخد و رد أخويّين قال له صديقي مهدي مازحا: اوا مرحبا بينا عندكوم و صافي؟

فأمسك بيده هذا الرجل وبرنة صوت جادة قال له: يالاه دابا النيت. كلشي موجود!

كنا على مقربة من العيد. فداعانا هذا الرجل، الغريب إذا نظرنا إلى مهلة اللقاء، إلى بيته لمشاركة مجلسه وطعامه. أخدنا رقمه و على وجهنا كل علامات التعجب و الإندهاش بهذا الرجل.

بعد التعرف على هذا الرجل أكثر وجدنا أنه يقوم بالزراعة المستدامة أو ما يسمى “بيرماكولتور” دون علمه بذلك. بياض وجهه انعكس في بياض الرمان و طيبه، وكأنه يستشهد لصاحبه. لم يستطع أن أنزع من قرارة نفسي أنه لا يعرف من أين أتينا وذهبنا، لا أسماءنا ولا سيرتنا الذاتية. لم يسأل عن عملنا و أبناء من نكون و لم ينقب عن مستوانا الدراسي أو الفكري. فيه من الطيبة و العفوية و البساطة و الكرم  ما لم نره قط في عواصم الإستهلاك و ال”في آي بي” والتظاهر بالصالح و الحضارة و المحاضرة. وقد أثر في هذا الإنسان أكثر بكثير من أصحاب العنق الموثوق! قضيت يوما و بعض يوم في شفشاون و كأنني أمضيت أسابيع. لقد صعدت إلى قمة لم أكن أتوقها. اغتنيت و زادت عملتي و من اغتنى بفضائل الناس استغنى عن فضلهم. وفي ذلك معان للتدبر والتبين.