من عرف نفسه استراح!

إن الإنسان، في المفهوم الصحيح لأهميته ودوره في الحياة، يعتبر أداة التنمية وغايتها في آن واحد، كيف لا وهو الذي يفكر، ويبدع ويخترع، ويعطي الأشياء والسلع قيمتها بما يضيفه عليها من عمل مبدع وابتكار. هذا الكائن البشري الذي كرمه الله؛ إذ نفخ فيه من روحه، وزوده بالمواهب، والطاقات البدنية، والعقلية، والعاطفية، وبالمؤهلات والأدوات الضرورية. هذا التكريم لا يرجع إلى جنس الإنسان أو شكله، بل إلى ما يمتاز به من عقل وقدرة على التفكير. لذا، لا يمكن أن يتجاوز نفسه دون أن يتأملها؛ إذ يجب عليه أن يعرف ذاته ويتعلم منها، وهنا تكمن الأهمية؛ أهمية الذات وكنوزها الثمينة.

اعتاد شحاذ أن يجلس بجانب الطريق لما يزيد عن ثلاثين سنة. ذات يوم مر به رجل غريب، تمتم الشحاذ قائلا وهو يقدم قبعته: -أعطني بعض القطع النقدية الصغيرة.

قال الرجل: ليس لدي ما أعطيك، لكن، ما الذي تجلس عليه؟
قال الشحاذ: لا شيء، إنه مجرد صندوق قديم أجلس عليه منذ زمن بعيد.
فقال الرجل: هل نظرت ما بداخله؟
قال الشحاذ: لا، ولِمَ أنظر؟ لا يوجد بداخله شيء!
ثم قال الرجل: ألق نظرة!
تدبر الشحاذ أمر فتح الصندوق، وشاهد بدهشة ما بداخله، فقد اكتشف أنه كان مليئا بالذهب!

عليك أن تنظر داخل صندوق نفسك أولا، فأنت تحتوي على كنز هائل، أنت ذاتك الإنسان المكرم والمختار. كنوزنا كثيرة جدا، وعند الاستفادة منها واستغلالها نعي مدى أهمية ما نملك، وبيقين نعرف أن الفرق الذي كان بيننا وبين الآخر الذي يبهرنا بما لديه هو فقط رجوعه لنفسه ولما يمتلك من طاقات وقدرات وإمكانات، ذاتك أولا! ابحث في خباياها، تعرف على مواهبها ومؤهلاتها فقد تبهرك بعطائها، وقد تعطيك ما لا يمكن وجوده في غيرها، ولا تنتظر من الآخر شيئا فأنت الوحيد القادر على هذه المهمة.

إن الوصول إلى نقطة إدراك نفسك، وما تطمح له، والغاية التي وجدت من أجلها، وعلى ما تتوفر عليه من مؤهلات وكيفية تنمية كافة قدراتك وجوانب شخصيتك، وتحقيق التغيير المرغوب في سلوكك…يجعل منك ذاتا وروحا واعية قادرة على انتشال نفسها من بين أجساد معلقة عيونها فوق الآخرين، وهنا، تحدد الأدوار وتوضح الطرق؛ فنجد من جهة شخصا يهتم لنفسه ولإعدادها لحياة كريمة وناجحة، يطورها للأحسن محاولا التعلم من أخطائه. ومن الجهة المعاكسة نجد ذاك المسكين الذي همه الوحيد مراقبة حياة الناس وانتقادها، وبدل أن يكترث لأمره، تجده جاهلا بحاله لا يعرف أي طريق يسلكه، فقد اعتاد على الجري وراء أعمال البعض وعرقلة من يراه ماشيا في درب النجاح وانتقاد السالكين لطريق التعلم والمسؤولية نحو نفسهم ونحو مجتمعهم.

الحياة غير مملة كفاية لتجاهلها، فلِمَ لا تتمعنها وتتدبرها؟ كن ماشيا في مناكب الأرض واكتشف أسرارها، ترقب خطواتك وبدل أن تكون معرقلا للطرق، كن سالكا لها. هكذا ستجد نفسك تحب حياتك وتقدر ذاتك وتتغير نظرتك لما حولك، فينتهي بك الحال شاكرا مكتفيا بما تملك.

كل منا يسلك طريقا مميزا وهذا ما يصنع الفرق بيننا وبين الآخرين، فليس من الضروري أن نكون على نفس الدرب! لكل منا اختياراته ولنا حرية الإرادة، وأهداف مسطرة فلا يرجع ذلك إلى جنس الإنسان أو لونه، أو نوع عمله أو الفئة الاجتماعية والاقتصادية التي ينتمي إليها، وإنما راجع إلى وعيه بالغاية التي وجد من أجلها وإلى ارتباطه بإرادة عليا مدبرة، لم تخلق الناس عبثا ولم تتركهم سدى.