من نظام الإجازة إلى نظام البكالوريوس…..وقفة تأملية

قررت الوزارة الوصية إحداث تغيير جذري في النظام الجامعي وذلك بالانتقال من نظام الإجازة الفرنسي الذي يمتد ثلاث سنوات إلى نظام البكالوريوس الأنكلوساكسوني الذي يأخذ حيز أربع سنوات، وهذا يأتي في إطار مواكبة التحولات الدولية والتنمية الوطنية كما صرح بذلك سعيد أمزازي في منابر إعلامية مختلفة.

هنا نتسائل ما هي الإضافة التي يمكن لهذا النظام أن يقدمها لفائدة الطلبة؟ وهل إضافة سنة كفيلة بحل الضعف العام الذي نعاني منه على مستوى المخرجات الجامعية والبحث العلمي في مختلف التخصصات؟

الملاحظ أن النظام القديم نظام الوحدات المزدوجة في أربع سنوات الذي كان متبعا في التعليم العالي كان فعالا وله مردودية إيجابية، وهذا يؤكده طبيعة المتخرجين بين الأمس واليوم، فمستوى الطلاب اليوم في انخفاض مستمر ومخيف مع وجود استثناءات دائما.

ويمكن أن نجمل غايات ولوج الجامعة في ثلاثة أسباب أساسية:

أولها تحصيل معاش (وظيفة) لضمان مستقبل مادي لائق، وهو هدف أغلب من يلتحقون بالجامعات، أو تحصيل العلم والمعرفة، واكتساب أدوات منهجية ومهارية -والطلبة يتفاتون في هذا السبب ومنهم من يهمله، خاصة إذا هيمن عليه الفكر الاختزالي الذي ينطلق من معادلة: ( دراسة= خبز)- أو تحصيل مكانة اجتماعية، فقد يلج الإنسان الجامعة ليقال عنه أنه ذو مستوى جامعي ويحضى بتقدير المجمتع.

يعدنا النظام الجديد بمجموعة من المغريات، والتي تتجلى في مجموعة من الأمور التي يفتقدها النظام الحالي وتتحدد هذه الإضافات في مايلي:

أولا: التركيز على الكفايات الذاتية والحياتية كمهارات التواصل والإلقاء والتخطيط وتدبير الوقت…وهذا بالنظر إلى أن سوق الشغل يعترف بالمهارات أكثر من اعترافه بالشهادات، وهذه الكفايات تساعد الطالب في بناء شخصيته أيضا.

ثانيا: التركيز على اللغات الأجنبية، رغم أن هذه الأخيرة تحسم في الطفولة غالبا، لهذا يقال التعلم في الصغر كالنقش على الحجر.

ثالثا: المعادلة الدولية بحيث سيسهل هذا التحول عملية إتمام الدراسة بالخارج لمن يرغب بذلك، مع العلم أن فرنسا هي الوحيدة التي لازالت تعتمد نظام الإجازة، بينما الأنظمة الدولية كافة، لا على مستوى الدول العربية أو الآسيوية أو الأمريكية فيعتمدون نظام الباكالوريوس.

على العموم يبدو هذا التحول إيجابيا إذا تطابق تنزيل هذا البرنامج مع ما ينظر له في الإعلام والوثائق، لكن الجامعة المغربية تعاني مشاكل جمة على مستوى البنيات التحتية، أذكر انطلاقا من تجربتي المتواضعة بكلية العلوم أننا كنا نعاني من فقر شديد في التجهيزات الضرورية للأعمال التطبيقية TP، فقد كنا نتناوب على المجهر Microscope لإجراء بعض التمارين التطبيقية، ولاشك أن هذا سيكون له تأثير بالغ على الفهم والاستيعاب لدى الطلاب.

إضافة لذلك هناك ضعف شديد في مد الطلبة بأدوات منهجية قوية كتحليل النصوص والكتابة الإبداعية وبناء التفكير النقدي… التي ستساعدهم مستقبلا على البناء الذاتي، لأن الطالب إذا تخرج من الجامعة كما دخل يتساوى مع من لم تطأ قدمه الجامعة قط، وذلك أن المعرفة أضحت متناثرة في الطرقات كما قال الجاحظ، فنحن لسنا بحاجة إلى المعرفة أكثر من حاجتنا لمن يوظف هذه المعرفة توظيفا فعالا.

ومن المشاكل أيضا التي تجعل بعض الطلبة ينقطعون عن التعليم الجامعي(الهدر الجامعي) تكمن في سوء التوجيه، فكم من شخص كان وجوده بالجامعة مجرد حادثة أو بضغط من الأسرة مع جهل بقدرات هذا الطالب وميولاته، فبعضهم لا يحتمل ذهنه الدراسة وكثرة القراءة، فمثل هذا يستحسن توجيهه إلى التخصصات المهنية التي تكسبه تكوينا عمليا غير متعمق (تقني) تماشيا مع قدراته، وفي هذا السياق يرى “علي الوردي” أن الدول المتقدمة ستعمد مستقبلا إلى إخضاع الطالب لتحليل متكامل للكشف عن ميولاته واهتماماته فيتم توجيهه وفقا لنتائج ذلك التحليل.

وهذا ما يؤكده عالم النفس الأمريكي هاورد جاردنر الذي أبدع نظرية سماها نظرية الذكاءات المتعددة، هذه الأخيرة تقول أن للإنسان ذكاءات متعددة وليس ذكاء منطقيا واحدا كما عُرف في الماضي، فإن الطالب قد يكون له ذكاء رياضي فيظلم نفسه عندما يختار تخصص العربية، والعكس صحيح، ومن هذا المنطلق يجب على الطالب أن يكتشف نفسه لكي لا يسلك طريقا لا يناسبه في حياته الجامعية والتكوينية.

وكخلاصة لما سبق، إذا كان هذا النظام الجديد سيعطي الطالب تكوينا قويا منسجما مع الواقع ومتطلباته، سيكون هذا الانتقال قفزة نوعية في إصلاح التعليم العالي بالمغرب، رغم أن الإصلاح يجب أن يكون متكاملا وشاملا، فإلى جانب اهتمامنا بالشق البيداغوجي، يجب الاهتمام أيضا بالموارد البشرية والبنية التحتية، كما يجب ربط المسؤولية بالمحاسبة حتى يكون لهذا الإصلاح أثر ملموس في الواقع.