من وحي كورونا

من سابع المستحيلات أن يعيش أحد منا اللحظة بجوارح الإنسان الحساس صاحب الفكر المؤرق. ويترك هذه اللحظة دون تدوينة، ودون أن يخط خطا من خطوط الذكرى، التي ستظل محفورة في عمق التاريخ والزمن.

كانت أيامنا تبدو متشابهة، رتيبة لدرجة الملل، حتى كان اليوم الموعود والزمن غير المعهود، حكم فيه علينا بالمكوث والقعود. ليتبين لنا أننا كنا في نعمة لم نكن ندركها، وكنا في سعة من العيش حسبناها دائمة لا تزول. في هذه اللحظة كان التيه والضياع، الذي أيقظ السؤال البديهي: هل كنا نتصور أننا في يوم من الأيام سنختبئ في جحورنا كالجرذان، ونسجن بين الجدران كالسجين في زنزانته. خوفا ورعبا من قاتل فتاك، لا يرحم ولا يعرف للشفقة معنى، مع أنه عدو لا يرى ولا يلمس، عدو قزم أقزم من القزم.

إنه الفيروس المتوج بتاج الانتصار، في زمن العلم والعولمة، زمن التكنولوجيا والأنترنت. فيروس صغير أربك كل الحسابات، وزعزع كل المفاهيم، وأطاح بأقوى الدول، وقهر أعتق الحضارات، وزعزع عروش العمالقة، وسحب البساط من تحت أرجلهم. لا العظيم ظل عظيما، ولا الصغير ظل صغيرا. لم تعد أمريكا تملك الحلول لكل المشكلات، ولم تعد الضفة الأخرى أرض الأمان للفارين من جحيم الصحراء وأوبئتها. إنها اللحظة الحاسمة من عمر هذا الزمن، الذي عرى الحقائق، وكشف المسكوت عنه، عندما تساوى الجميع رؤساء ومرؤوسين، ملوكا ومملوكين. كان من المفروض أن نستخلص الدرس، ونستفيد العبرة.

لن يختلف اثنان، في أن الجائحة أذاقت كل واحد منا جرعة من عذابات الحجر، الذي كشفت فيه جغرافيا المواقف الإنسانية عن أنواع وأشكال من الناس: إنسان مرعوب، ومفزوع، ومتوجس ومقهور. بات ينتظر قدره وموته الذي سيطرق بابه على حين غرة. وإنسان جاهل، ومتجاهل لخطورة المرحلة، ويعتبر الأمر مؤامرة.

سواء كنت الإنسان الأول أو الثاني لا بد أن تكتشف ضعفك كإنسان، حين تصبح في لحظة بدون قرار، بدون اختيار، وبدون حرية، لا يمكنك أن تفعل ما تريد وقت ما تريد. لأنك تحت رحمة الفيروس، سوط الجلاد الذي يسكت الأفواه، وسيف الحجاج الذي يقطف الأعناق.

اليوم أخي الإنسان، في زمن كورونا انهارت الشعارات، وتصدعت المبادئ، التي تشدق بها الآخر من ديمقراطية، وحرية، وحقوق الإنسان، كلها بيعت في سوق النخاسة، عندما أصبحت مستشفيات أوربا تميز بين المريض الشيخ، الذي يستحق أن يموت، والمريض الشاب، الذي يستحق أن يعيش، إنها “ديمقراطية كورونا”.

 

لعل أهم درس علمته لنا اللحظة الفارقة هاته: علينا أن نعيش بالمعنى الصحيح، متجاوزين التفاهات والترهات، التي تستنزف منا الوقت والجهد، والقوة دون طائل. علينا أيضا أن نتخلص من مرض التسويف والتأجيل، ونسارع في تحقيق تطلعاتنا وأحلامنا التي لا تقبل الانتظار. هي بعض من وجدانيات، هي دفقة شعورية ولدت من رحم كورونا، التجربة القاسية، واللحظة العصيبة، وفي الآن نفسه الدرس الذي على الصغير والكبير، على النخبة والغوغاء، أن تتعلمه، لأن الضربة التي لا تقتلني تحييني. فنحن عدنا من الموت لنحيا ونغني، بالعشق والحب كان اللقاء، وباللهفة والشوق يكون الانتظار.

أودعكم وداع درويش: نحن أحياء وباقون وللحلم بقية، قد يطول سواد الليل وحتما سيحل بياض النهار ليزيح غمة كورونا عن الأمة إن شاء الله.