ميلاد ام

في ذكرى ميلاد ابنتي الرابعة، أخبرتها أني سأحكي لها حكاية طفلة. قالت لي بحماسها المعهود ـ وهي التي تفاجئني في كل مرة كأن الله يجري على لسانها ما يكشف خبايا نفسي ـ : بل أريد حكاية أم. و منذ ذلك الحين و أنا أفكر في فصول هذه الحكاية التي أعيشها. كنت حينها قد صغت إجابة مرضية حول تساؤلاتي الدائمة حول ذكرى الميلاد. بعد تجاوز سؤال الحلال و الحرام كنت أتساءل عن المعنى. وفي كل عام مع ذكرى الميلاد الأول أسائل نفسي هل لا زلت أولد من جديد من رحم الحياة و تجاربها في كل مرة؟
بعد أن أصبحت أما وصرت أتأمل في معاني الأمومة عاما بعد عام، صرت أرى أن أمي أولى بأن أحتفل بها في ذكرى ميلادي، فإن كان من فضل لأحد بعد الله في ما أصل إليه كل عام فهو لمن كانا سببا في وجودي عموما و لأمي خصوصا. و هكذا خلصت إلى حل لعيد الأم مفاده أن لكل أم أعيادا بقدر عدد أبنائها ووفق تواريخ مولدهم، وأن على كل ابن أن يجعل كل ذكرى لميلاده مناسبة يحتفل مع أمه و بها، وبدل أن يتلقى الهدايا يهديها هو لأمه أو يتلقاها من أجلها.
على درب الأمومة أمضي، أبدو كبيرة في عين ابنتي، لكني صغيرة مثلهما، هما تتعلمان وتكبران في هذا العالم وأنا أتعلم و أكبر في عالم الأمومة.
أمضي في درب الأمومة؛ تحلق بي ضحكات البراءة إلى فضاءات رحبة من الحب والأمل، ويهوي بي ضعفي وقلة حيلتي إلى قرار دفين من الخوف والألم. تحملني أرواح طفولية على أجنحة الطهر والنقاء إلى عالم جميل ممكن، و طتغوص بي وساوس نفسي ومخاوفها في غياهب بحر لجي تتلاطم فيه أمواج الحيرة و العجز.

على درب الأمومة، تهاوت صروح غرور نفسي وأبراج قوتي الوهمية كقصور رمال، وبين مد وجزر سقطت قلاع مقاومتي. تلوح لي صخور ظلت تقاوم، وإن أكل منها الموج وتكسر منها شيء كلما تكسر الموج على جنباتي. الاصطدام بالموج مؤلم، لكن بين كل مد وجزر أتعلم أن ألملم حبات رملي، وأن أنتعش برذاذ الماء وأنا أتطلع نحو الأفق. كنت أحب الجبال في صلابتها وقوتها و طثباتها. بعد أن صرت أما، صرت أحب الأنهار، أستشعر حاجتي لأكون مرنة أكثر، أن أتعلم أن ألتف حول الصعوبات بدل أن أصطدم بها، أن أبحث عن طريق ولو بدت طويلة و صعبة متيقنة أني ـ بعون الله ـ سأصل.
على درب الأمومة، شهدت كم يمكن للصغار أن يعينوننا لنكبر و ننضج. هم صغار يفيضون نقاء و حيوية، تصغر معهم همومنا و أوهامنا و تيهنا في حبائل الأنا، لكنهم كبار في حبهم و نقائهم و ارتباطهم بفطرة الله التي فطرهم عليها، يكبر معهم استمتاعنا بالحياة، و رغبتنا في تربية أنفسنا قبل تربيتهم، ويكبر أملنا في غد أفضل. نرافقهم ليحققوا حلمهم في أن يصيروا كبارا، و يرافقوننا لنغوص في أعماقنا بحثا عن الطفل بداخلنا لنتعلم كيف نحبه و نعتني به، نحضنهم بقلوبنا و يحضنوننا بأرواحهم. حينها لا يصير مهما أن نفرح بعام أتى أو نغتم لعام انقضى، بل نمضي ونحن نتعلم أننا نكبر بقدر ما تكبر فينا معاني العطاء والسعي للأفضل، نكبر بقدر ما يصغر فينا الالتفات للشواغل التي تبعدنا عن الأهم، نكبر ونحن نتعلم – بملاحظة الطفل – السنن الكونية في النمو، نكبر بقدر ما نعي أن التغيير السحري السريع وهم من أوهام التعمية البشرية الرخيصة، وأن لحظة التحول الفارقة خاصة ب”البوكيمون”. تعلمنا الأمومة أن النضج بناء تراكمي ليس خطيا بل لملمة لَبِناتٍ من هنا وهناك قد لا نعي أثرها في حينها. نكبر و و ننهض من عثراتنا بقوة الحب، نكبر و نحن نتعلم أن قوتنا رهينة بقدرتنا على النهوض والاستمرار رغم العثرات والخيبات المتكررة، تكبر قوتنا على تحمل وتجاوز الآلام ما قوي في قلوبنا الأمل واليقين برحمة الله وجبره لكسورنا، ننهض من عثراتنا كلما حملنا استشعارنا لمسؤوليتنا تجاه هذه الأرواح البريئة التي استأمننا الله عليها.
يولد المرء منا من رحم أمه مرة واحدة، و يولد من رحم التجارب مرات، فيحيا بدل الحياة حيوات. يموت ميتات صغرى و يبعث من رماد أخطائه ورفات زلاته و قد صارت أجنحته أقوى تزيده الأيام حنكة وخبرة. يخطئ ويصيب، يسقط ويتعلم أن يقوم، ويجاهد لكيلا يتحول إلى ميت على قيد الحياة. نولد من جديد في كل مرة حين نتعلم أن ننظر للحياة ببراءة و حماس الأطفال و اندهاشهم أمام عظمة العالم، حين تتجدد فينا معاني الحياة و نحن نحاول أن نعلمهم فيعلموننا.
أحسب أن من نعم الأمومة علينا أن نولد من جديد، ولادة من داخل ذواتنا و أرواحنا بعد طول مخاض، ولادة ملؤها النضج و البراءة، أن نولد مرة أخرى ومرات نتبرأ من عقدنا، ومن مخاوفنا، ومن ادعاءات نفوسنا، حين نتأقلم مع النظر في المرآة التي يعكسها لنا أطفالنا، يكون الأمر مؤلما و منهكا في البداية، لكننا نعتاد عليه شيئا فشيئا ونوقن أنه جزء من مخاض التربية؛ تربية نفوسنا وتزكيتها بقدر ما نربي أبناءنا.
ولدت من جديد يوم فهمت أنه يمكنني أن أولد كل يوم مع كل إشراقة فجر يضيء سناه الظلام، والحق أننا ننسى أننا فعلا نُبعث كل يوم (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (سورة الزمر 42). ولدت من جديد و أنا أتعلم أن أستشعر أن في كل لحظة مع كل نفس جديد تجدد لمعاني الحياة فيّ و في العالم من حولي، و أن لا تجدد دون بِلًى، ولا ولادة دون مخاض.
بعد أن صرت أما صرت أحملني، أحمل بذرتي، أتعلم أن أسقيها وأعتني بها حتى تصير شجرة وتثمر. ولدت و سميتني: “أميمة”. قبل زواجي كنت أسأل أمي ـ حفظها الله ـ عن أحب الأسماء إليها لعلي أختاره اسما لابنتي، و كان اسم أميمة مما اختارته، لكن حين أردت اختيار أسماء ابنتَيّ، تغلب حبي للمعنى و بحثي عن معان مهمة لي في كل فترة من حياتي على رغبتي في بر أمي و إسعادها باختيار اسم تحبه. بعد أن صرت أما، وبعد أن صارت الأمومة بالنسبة لي أكثر من مجرد دور، وبعد أن ساعدتني في الغوص أكثر في غياهب ذاتي و مجاهيلها، و بعد أن غمرني الحياء من إكرام الله لي بنعمة الأمومة كفيض من النعم المتجددة، و لأني لا زلت في بداية رحلة الأمومة؛ لا أراني أما بل أنا “أميمة” بالتصغير، أتعلم كيف أكون أما صالحة، و أتعوذ بالله من أن أُطِل على أبنائي من موقع التعالي والتعالم، بل أحاول أن ألزم موضع المصاحبة و التعلم… من أجل ذلك سميتني “أميمة”.

1xbet casino siteleri bahis siteleri