نظرة إلى الوباء

1٬872

نظرة إلى الوباء: A Perspective on The Pandemic *

حين خروجي في نزهتي المعتادة وسط مدينة كامبردج، وجدت نفسي -سبحان الله- مندهشا من شدة التغير الذي أحدثه الأسبوعان الأخيران. الأزقة والممرات الصغيرة تجر للذاكرة الصورة التي كانت عليها كل يوم أحد. أصبحت اليوم شبه مهجورة. الظاهر أن يوم العطلة هذا سيمتد إلى أسابيع وشهور، ومن المحتمل أن بعضاً من المحلات والمطاعم المقفولة لن تفتح للتجارة بعد الآن. مررت على بعض المشردين المكومين والمستلقين على الأرض الذين لا زالوا ينامون في أكياسهم،كان ذلك المنظر الكئيب الوحيد الذي لم يتغير. أما الصيدليات فوضعت درعا بلاستيكيا لحماية موظفيها ليس فقط من السعال والعطاس المميت ولكن أيضاً من الشتائم. العامل المسلم الذي يشتغل بالحد الأدنى للأجر في السوبر ماركت أخبرني أن بعض الزبائن رموا نقودهم المعدنية على العمال مستسلمين لغضب وذعر عجيبين. الصفوف المتوترة تحاول الحفاظ على مسافة الأمان ليس انصياعا فقط، ولكن لا أحد يريد أن يقترب أكثر من عزرائيل، ملك الموت.

الكرنفال الاستهلاكي، الثلاثاء المرافع (Mardi Gras) لعصرنا المدمن على المنتجات انتهى. يبدو الأمر كصباح حل بعد دوار من أثر الخمرة. كنا نصل بسعادة في المحلات التجارية إلى البضائع اللامعة والمشرقة أمام أعيننا البهيجة الطفولية، أما اليوم فنتردد ونلمس بحذر شديد وكأننا على وشك ملامسة جلد جثة. أضغط على أزرار الصراف الآلي وأتمعن في يدي. بعد أن كانتا تبطشان بغفلة في السنوات الماضية، أصبحتا اليوم تحملان زوالي. ورقة العشرين جنيه، آخر ما غُلِّف بلاستكيا من بين الأوراق البنكية، ربما كانت كسْبا قذرا بمقدرته قتلنُا. نريد تعقيمها، فحماس الثروة قد انتهى.

العالم صائم بشكل ما، إنه إمساك عن الرأسمالية التي فضَُّت فيها مأدبة بلشزار فجأة. بالنسبة للزائر اليومي لوسط المدينة المصعوق، كثير من الأمور خارج الحدود .كما يخبرنا الحديث الشريف: “صُفِّدت الشياطين”. البائعون المرهقون ليسوا مهتمين بالأشياء الجميلة، ولكن بالنجاة. العادات القديمة المتمثلة في التصَفح الغائب عن الوعي أصبحت غريبة. رئيس وزرائنا، حاملاً لروحه العقلانية، أغلق محلات بيع الكتب وترك محلات بيع الخمور مفتوحة، لكن هي أيضا لا تظهر أنها مشتغلة. أناس كثر مأدبون ومراعون، لكن الجميع طاهر…خاضع…صاح…يقظ.

بالطبع، هذا التحطم الفجائي سقط بشكل مختلف على رؤوس مختلفة. بالنسبة لكبار السن، عطستي اللاشعورية قد تتسبب في موت رهيب لهم. أما بالنسبة لمجموعة الشباب الضاحكين والمنتظرين للحافلة، يبدو الخطر عندهم تافها، فهم موقنون أن شبابهم سيمَكِّنهم من تجنب الخطر. لعبة الدحرجة الروسية (Russian Roulette) هذه التي يلعبونها كل يوم جديدة ومهَيجة لهم، يحسون من خلالها أنهم خالدون، متأكدون أنهم سيقفون من أجل نفس الحافلة السنة المقبلة.

السماء إذن منحتنا عيش فترة مثيرة، فنحن داخلون على أكبر أزمة عالمية منذ عقود. لكن مهم للمسلمين أن يتفكروا ويستغلوا هذه الأيام الطويلة الهادئة. لكن قبل هذا، دعونا ندخل في حجر عن الإعلام المتحمس المذعور. دعونا ننصرف عنه ونغلق آذاننا أمام السياسيين الرديئين المتعثرين. دعونا ننظر من خلال نوافذنا لخواء شوارعنا الغريب، ونتأمل ما يمكن أن يعني الله بكل هذا. حتى العقل الملحد يعرف أننا في عصر من الغطرسة: نبُيد وننتهك الطبيعة ونمشي على القمر…كل المخلوقات الأخرى تنكمش خوفا منا من جراء هلك أنظمتنا البيئية. نظامنا المالي الملعوب أصبح طفيليا بالأساس على الفقراء. حسب منظورنا الإنساني، كوفيد 19 وباء بعثر عالمنا. لكن من منظور العالم، الإنسانية نفسها أصبحت في العصر الأخير الداء الأكثر فتكاً. مثل فطر أو دودة الشِّصِّيَّة، نمُص دم المضيف ونحن في تضاعف مستمر إلى أن يصبح عالمنا ونظامنا البيئي متهالكا ميتا. كل ذرة منا ملقاة خارج الحدود الطبيعية التي حث عليها الدين أصبحت هي الأخرى آفة لا تقل ذكاء عن الجرثومة في تخطيطها وحكمتها. أصبحنا فايروس قارونا (Qarun-virus).

واليوم، عالَم الإله يدفع لنا الأجر المُستحَق عن طريق هذا العفن غير المرئي الذي يجعلنا خائفين حتى من استنشاقه. بوتين وترامب أسياد الترسانة النووية يتراجعون عن مدى فعاليتها مكتشفين ربما القاعدة النقشبندية Hosh Dar Dam (اليقظة في كل نفَسَ). صغير جداً عدونا الذي هز العالم، دقيق جدا ليرُى. الكورونا والذي يعني حرفيا “التاج”، هذا البروتين المجهري الدقيق، هذا اللاشيء تقريبا، أصبح الآن ملكا للعالم. هذه السخرية السماوية تذكرنا بكل الحكايات الخرافية للفأر والفيل. الرسول الكريم الذي كانت رسالته كلها عبارة عن تحد لحب الدنيا والخوف من الآخرة ازداد عام الفيل. كم من مرة نعيد تلك السورة وكأنها ترنيمة أطفال…لكن أبْرَهَة الطاغية أصبح الرمز الدائم للعجرفة التي حاولت تحريك أشياء الإله. كُتاَّب السيرة يخبروننا أن الطير الذي أمطر عليه وجيشَه حجارة من طين حمل إليهم أيضاً سقما جعل لحمهم يتعفن فوق عظامهم وهم ما زالوا على قيد الحياة. كان نوعا من الإيبولا Ebola الرهيبة التي أكلتهم أحياء…”فجعلهم كعصف مأكول.”

إذن، الميكروبات التي تعتبر جزءا من سمفونية النظام البيئي المتوازن للعالم تنتمي أيضا إلى الجيش الإلهي. في بعض الأحيان تخدمنا من خلال الأسماء الإلهية “الرزاق” و”اللطيف”. فمعداتنا وأمعاؤنا مختلطة بها ولولاها لما تمكنا من هضم عشائنا. داخل الأرض تقوم بتحليل المادة الميتة وإعادتها إلى التراب. تقوم بتحديد السكان طبيعيا لتحافظ بذلك على ميزان الخلق الذي يحِّق لكل نوع مخلوق أخذ حيِّز منه. وفي أحيان أخرى، ليس أقل ضرورة من الحفاظ على الميزان، تخدم الأسماء الإلهية “القهار” و”المنتقم”. ومن تم، فقد استعملها الله لتدمير الطاغية أبرهة وفيلته وجنوده ومُشاته.

يقول الله أنه مع الفقراء والمنكسرة قلوبهم…”أنا عند المنكسرة قلوبهم”. القرآن يجعلنا متضايقين من جراء الأدلة النبوية التي لا هوادة فيها ضد حب المكانة والتباهي والاكتناز. الشريعة من خلال قوانينها في الزكاة والإرث تهدف إلى هدم الثروات وتحطيمها بمطرقة الله العادلة. عكس ذلك، أدى نظام الكائن الاقتصادي الطُّفيَلي الحديث إلى اكتناز تاريخي غير عادل للثروة من طرف 1% من سكان العالم. ولذلك، فإن القصص القرآنية الرامية إلى الحق والمواجهة للسلطة تخبرنا مرات عدة أن فرعون لم يُقض عليه بقوة عظمى أخرى ولكن بمجرد رسول في قطعة قماش…عضو من عرق محتقر مُكون من مهاجرين وعمال مستورَدين…رجل شك حتى في قدرته على التحدث بوضوح…حاف وقف أمام عرش ممفيس، هازما لسحرة الدولة الاستبدادية التي سددت ثروتها بجنون نحو بناء أضرحة الرخام لجثث متعفنة…المستبد صرَف وجهه وازدرأ لكن بلاء مصر سقط على أرضه. أي قوة يستطيع وزير دفاعه جمعها ضد الدماء والوباء الذي غطاه وقومه ببثُور متقيحة. مرة أخرى، استعملت العناية الإلهية أصغر أعضاء مملكة الطبيعة لضرب بنية التباهي والاضطهاد الظالمة المدمِّرة.

دعونا نتذكر الوقوف البطولي لسيدنا إبراهيم في ساحة النمرود. يأتي ذلك في سورة البقرة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ }. يذكر المفسرون أن النمرود في هذه اللحظة حاول إظهار قوته بإطلاقه بالكاد سراح أحد السجناء وإعدامه لآخر…محاولة حاكم في التشبه بقدرة الإله على العفو. لكن {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} المفسرون يذكرون أن الناس كانوا يأتون إلى النمرود ويؤكدون له أنه الرب، فكان يعطيهم القوت…”إذا دخلوا عليه، قال من ربكم؟ فيقولون أنتم”. بعدها جاء إبراهيم الذي عندما سئل نفس السؤال قال: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} بعيدا عن حضرة الطغاة، عندما كان راجعا إلى أهله، ملأ إبراهيم أكياس أكله بالرمل حتى يقولون إنه أحضر لهم على الأقل شيئاً، فيطمئنوا. حين قامت زوجته سارة بفتح الأكياس…معجزة…وجدتها مليئة بالحبوب. أما بالنسبة للنمرود، فيذكر المؤرخون أنه بينما كان يوزع أشكال العدالة تلك، قامت بعوضة أو نموسة بالزحف إلى فتحة أنفه، فلدغته مما تسبب له في ألم فظيع بدأ بسبب شدته يضرب رأسه مع حيطان القصر، ثم مات بعد سنين من العذاب. الشاهد هنا مرة أخرى أن المخلوقات الصغيرة يمكن لها أن تخرق أكبر المتباهين بغطرستهم. وفي عصرنا هذا، فإن الفيروس هو من يلبس التاج والعظماء هم المستضعفون والمتواضعون. انظر إلى السياسيين في أوروبا الذين أعدموا سُنة الإسلام الشريفة، هم الآن من أصبحوا مجبرين على لبس النقاب.

الطاعون والوباء ليسا شيئاً جديدا على الإسلام. فقط بالنظر إلى نصوصنا، نجد أن “وباء” تعني pandemic و “إعداء “تعني contagion. وإسلام العصور الوسطى كان على علم تام بأن نتيجة ذلك يمكن أن تكون كارثة. ابن بطوطة وهو يصف الموت الأسود في القاهرة يخبرنا أن 20000 شخصا كانوا يموتون كل يوم، والأئمة يصرخون “شهادة، شهادة” في إشارة دون شك إلى الحديث النبوي في البخاري الذي يقول: “فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد”. ولكن، لأن المسلمين يهتمون بالطب وبما أن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه وصفَ أدوية، كانت الرعاية الصحية موفرَة بسخاء من طرف الأوقاف. يعجبني وصف المؤرخ Lane Poole لمستشفى مصري في العصور الوسطى: “مقصورات المرضى كانت مرتبة حول ركنين رباعيين، لكن بالجانب الآخر توجد غرفة للتدريس، ومكتبة، وحمامات ومستوصف وكل ما احتيج له آنذاك من أدوات الجراحة. كانت هناك أيضا الموسيقى من أجل إبهاج الذين يعانون بينما يقوم مُرتِّل للقرآن بمنحهم المواساة الروحية. كان الأغنياء والفقراء يعالجون بنفس الشكل دون مقابل، ويتم إعانة وتعليم ستين يتيماً في المدرسة المجاورة”.

يتفق المؤرخون على أن العالم الإسلامي هو منبع المستشفى الحديث، أخبار عديدة عن ذلك موجودة في عدد من مجلة Aramco World المُعنوَن بـ “الجذور الإسلامية للمستشفى الحديث” والذي يمكن إيجاده بسهولة على الإنترنت. هذا العدد الذي يجب على كل مهنيي الطب قراءته يبدأ بمقولة للوقفِّيَّة، وهي الوثيقة المؤسِّسة لمستشفى السلطان قلَاوُون: “على المستشفى أن يحافظ على كل المرضى، رجالا ونساء، حتى يشفوا بشكل تام. النفقات جميعها يتحملها المستشفى سواء أجاءت الجموع البشرية من بعيد أو قريب، سواء أكانت أجنبية أو من القاطنة، قوية أو ضعيفة، كبيرة أو صغيرة، غنية أو فقيرة ،شغيلة أو غير شغيلة، عمياء أو ناظرة، مريضة بدنيا أو عقليا، دارسة أو أمية. لا توجد هناك أي شروط أو دفوعات، ولا أحد يُرفَض أو يُلمََّح إليه ولو بشكل غير مباشر إلى عدم دفعه للمال. الخدمات متاحة كلها بفضل عظمة الله الكريم.”المستشفى، دار الشفاء أو بيمارستان، من بين هدايا الإسلام إلى الغرب التي أنتجته ثقافته في الرحمة وتوقيره للمهنية الطبية. كثير من التقاطع والتكامل بين المُؤثِّر والمُؤثرَّ عليه. مع ذلك، فإن تلك الثقافات تختلف عن ثقافتنا في نقطة واحدة رئيسة: الأطباء المسلمون ما قبل الحداثة والعلماء الذين فكروا في أمر العدوى تصوروا عالما اجتماعيا بانتظارات إنسانية متواضعة. الهلع من الموت وحب الرفاهية يشكلان سُنَّة النمرود وفرعون، هي طريقة أبي جهل وليست طريقة خاتم النبيئين. كما يقول الشاعر: “إنها تمثِّل مادية الحمار بدل المسيح الذي يسوقه”. تصرفنا الحديث تجاه الموت غير واقعي، فراري ومرهق. المعتقدات الإلحادية التي انتشرت هي الأخرى مثل فيروس جراء الوسخ المتراكم في قلوبنا، أقنعت العديد أن الموت السريري يمثل نهاية ذواتنا. القرآن يصف هؤلاء في سورة الجاثية: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ} أمثال هؤلاء مرعوبون بشكل مأساوي من الموت. فذلك يشكل أكبر إرهاب يحير الإنسانية في عصرنا الحالي: تهديد اللامعنى الخبيث والفراغ الأبدي.

في الجزيرة العربية، لم يكن عرب الجاهلية يؤمنون بالحياة بعد الموت. لكن قيل لصاحب الثناء في اللحظات الأكثر حزنا التي واجههم فيها: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ} وفي سورة الأعلى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَاٍ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}. “الموت جزء عادي وطبيعي من حقيقتنا الإنسانية الضعيفة، وإقراره يتحصل من الاسم الإلهي الركيز “المميت”. كانت إنسانية ما قبل الحداثة ترى الموت أمام كل شخص وتعرف كيف تتماشى معه. ساهمت العبادات بشكل كبير في ذلك، ولكن الأكثر علاجا كان هو الوعي بالرحمة والحكمة الإلهيتين. قال صاحب الثناء في ذلك بشكل رائع: “تحفة المؤمن الموت” لأنه يُخرجه من هذا العالم المُخَيبِّ إلى عالم المعنى والرحمة الخالصة. بقدر ما كان ذلك صحيحا بقدر ما أخبرنا الرسول الكريم بعدم تمني الموت: ((لا يتمنى أحدكم الموت)). فنهايتنا بمشيئته تعالى وليست برغبتنا نحن. نتقبله بهدوء وبساطة كتعبير عن الحكمة الإلهية. لا شك أن هذا سببٌ يجعل المؤمنين يتمتعون بصحة نفسية أفضل من الملحدين. مقال جريدة Telegraph في 2013 يذكر جوهرية الإيمان الديني عند الإنسان، مقترحا أن يُدرَج الإلحاد نفسه كمرض نفسي. إنه عدوى واسعة الانتشار مع أعراض نفسية بشعة، وهذا ما تظهره بريطانيا الحديثة. الوحشية المُهوِّلة للمعتقدات الإلحادية لم تظهر قط بحدة مثل تلك التي تظهر عند ألم الأقرباء بعد توصلهم بخبر وفاة محبوب داخل غرفة إنعاش. فراغ يحل مكان روح، لا وجود لمراسم خالدة، لا وجود لبريق من الأمل.

مقالات مرتبطة

هنا، إرثنا البريطاني المسلم أكثر إلهاما لنا. قصته تبدأ مع عبد الله كويليام (Abdullah Quilliam) وساكنة لفربول المسلمة في القرن التاسع عشر، في مرحلة ومكان عصيبين كانت فيهما العداوة والتهديد أكثر شيوعاً مما هي عليه اليوم. لكن كويليام كان يؤمن بالإسلام التقليدي. والروح المسماة عنده بـ “الخضوع الإسلامي” كانت تجري كفكرة مهيمنة على كتاباته. مثلا يكتب في قصيدته الشعرية المميزة “آخر رحلة”:

عندما تكون السحب سوداء وكئيبة…عند آخر طريق الموت
عندما بخطوات متذبذبة متعبة…أنا ذاهب للدار لأبقى، أبدا لأبقى
ثم أفكر في من فارقت ممن أحب…مني الآن العديد في يوم ما
وأحس أن قلبي منشرح…أنا ذاهب للدار لأبقى، أبدا لأبقى
الغياب يجعل القلب يزيد شوقاً…هذا ما يقوله الشعراء على الأقل
فلا وجود لفراق هنالك…أنا ذاهب للدار لأبقى، أبدا لأبقى
وحتى إن كنت وحيدا في رحلتي…وحتى إن خارت قواي الفانية
فإن قدمي تدوس أرضا صلبة…أنا ذاهب للدار لأبقى، أبدا لأبقى
سواء أكان باكرا أو متأخرا…النداء إذا جاء لبَّيتُ
بسعادة آتيه، بقَبول…أنا ذاهب للدار لأبقى، أبدا لأبقى

كاتب آخر من ذاك العصر المتقدم لمجتمعنا البريطاني المسلم هو امرست تايسن (Amherst Tyssen). تعجبني قصيدته عن الرسول الكريم وحضرة أبي بكر عندما احتميا في الغار من عصابة القتلة القريشيين الذين حاولوا قتلهما لمنعهما من الهجرة. القصيدة مستلهمة من إشارة القرآن “ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن، إن الله معنا”:

إذا أراد عيشنا…ما من قوة فانية تستطيع أخذ حياتنا
إذا أراد موتنا…فله نعود، لا حاجة لفزعنا
فهَلَّا في رحلة حياتنا الصعبة بكل عواصفها، خضعنا
فهَلَّا جعل الله الصخرة حيث نستلقي مرساة أملنا
إن جاء النعيم، فله نرسل ثناءنا
إن جاءت المحنة، فعليه توكلنا
الموت نعمة للقلوب الموقنة…أي ما شاء كان أفضل لنا

بالنسبة لـ Tyssen وبالنسبة للسابقين من مجتمعنا البريطاني المسلم، الإسلام دين الخضوع بشكل جوهري، ليس فقط لأوامر الله الشرعية التكليفية، لكن أيضا لأمره التكويني، أي أمره الذي يشَكِّل كل شيء في العالم، بما في ذلك الأمر بأن علينا أن نموت. ديننا بدون شك وبكل فخر دين التوكل، والرضا والتسليم. لهذا فالولي…المسلم الحق هو ممن {لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. الله أمرنا بالقول: {لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}. إذن نبكي موتانا، وهذا رد فعل طبيعي صحي، ونؤمن بالطب، لكن لا يصيبنا الذعر. الموت جزء طبيعي من التركيبة العظيمة لكون الله تعالى التي تشمل مراحل الولادة، والنمو، والازدهار، والخصوبة ثم الموت. خلق يحتوي على الجلال والجمال معا. كما قال الشاعر التركي إبراهيم حقي:

كل ما يأتي منه خير لي
إزهار الوردة أو شوكها
لباس العزة أو كفن الموت
خير جماله، خير جلاله

إذن فأنين العالم الحديث الذي نسمعه من حولنا، بما في ذلك أنين عمالقة عصرنا، مثل دونالد ترامب الذي يظهر جليا أنه مذعور من إمكانية وصول بعوضة إلى أنفه، ليس كورالا نستطيع الالتحاق به. بدل ذلك، نقول بالفطرة: “حسبنا الله ونعم الوكيل”، أو نقول: “إنا لله وإنا إليه راجعون.”

قبل سنوات، كنت أركب سيارات أجرة جماعية كانت تندفع بسرعة مقلقة بين مدينتي جدة والمدينة. كانت عادة سيارات نقل متهالكة مملوءة بالعمال اليمنيين، وفي كثير من الحالات استطعنا النجاة بشق الأنفس من ملك الموت. أتذكر ليلة كان فيها السائق مندفعا بسرعة 150 كلمتر في الساعة، فإذا بقطيع جمال يركض أمامنا في الطريق السيار. بحوالي ربما 10% من إمكانية النجاة، قام السائق بردة فعل على الفور تمَكَّن فيها من إيلاجنا وسط فجوة ضيقة بين الحيوانات المندفعة، وعشنا.
“يا الله”، قالها الراكبون وقد اندفع الموت تجاهنا…ثم…”سبحان الله”. بعدها، أصبح الموقف بالكاد ذا أهمية. بعد ذلك بقليل، وبينما نحن متوقفون في محطة الخدمات على الطريق السيار، شاهدت رجلا مسنا جالسا على الإسمنت يبيع لوحات مؤطرَة لفن الخط القرآني. لم يكن عنده سوى نص واحد: “كل نفس ذائقة الموت”. لن يستطيع بيع شيء في محطة الاستراحة على الطريق السيار M15 على ما أظن. لكن بالنسبة للمسلمين، الموت هو ببساطة وجه آخر للتجربة الإنسانية…هو مشيئة حكمته، توقيته وشكله محدد من طرف خير القضاة.

وباء الخوف والحزن الحالي الذي شَل عالمنا المتطور (المُفترَض) ليس فقط عن الموت، ولكن أيضا عن هشاشة وعدم استقرار الدنيا. مؤشر FTSE لأسعار القيم سقط إلى الحضيض: 35% من الخسارة وما زال، البطالة تتزايد عشرة أضعاف ما كانت عليه أثناء الأزمة الاقتصادية العالمية لـ 2008، المتاجر تنطوي وتموت. الفقراء والمستضعفون، بما في ذلك المشتغلون في سوق الأعمال المستقلة ذات الفترة المحددة وعقود بساعات عمل عند الطلب بدأوا يعانون أصلا من الجوع. سيؤثر ذلك بشكل كبير على مجتمعنا المسلم: مطاعم التنَدُوري وعمل سيارات الأجرة هش جدا. الفاشلون في طلب اللجوء ومن هم دون تأشيرة يواجهون إمكانية رفض توفير المراقبة الصحية لهم. كالعادة، الفقراء والضعفاء هم أكثر من يعانون. لكن هذا مصير إسماعيل! فنحن نعيش في الجانب الخاطئ من حائط غزة. في عصر عدم المساواة المتصاعدة والعجرفة الجبارة، نتفكر مرة أخرى أن الله دائما مع الضعفاء، المذلولين، الجائعين والمحتقرين. كان الرسول الكريم نفسه يدعو أن يحُشَر مع المعوزين.

نحتاج إلى الأمور الأساسية من الدنيا. لنا الحق في القوت…في خبزنا اليومي. لكن الحب الجنوني للاستهلاكية الذي أصبح عبارة عن إدمان فتاك يعيشه الإنسان الحديث ممقوت من طرف السماء. القرآن يقول: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ } و {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}. إدماننا على المنتوجات يغتال أرضنا الأم، ومن تم فكرة أن إنسانيتنا نفسها وباء يفتك بكوكبه المضيف. نحن جميعنا فيروس قارونا (Qarun-virus)، ولكنه يفتك بأرواحنا ومجمعاتنا أيضا. المؤمن لم يجعَل للتسوق وإن كان يتلذذ بمعاملته الطيبة للضيوف. فبيت الرسول الكريم كان متواضعا لدرجة أن بابه لم يكن من الخشب ولكن من قماش خيشٍ بسيط. “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”.

المؤمن إذن بعيد عن الدنيا في هذا العزل، هناك انفصال يحُيي من خلاله بعضاً من مزايا الخلوة والعزلة، متذكرا إمكانية الصفاء الروحي عندما أصبحت الملاهي والملذات الدنيوية بعيدة المنال. السيدة العذراء شاهدت ملكَا عندما كانت وحيدة في الصحراء، ونفس الملَك جاء إلى خير الخلق وهو “يتحنث” في غار حراء. لحظتنا هذه إذن فرصة لإعادة تفعيل سنن الخلوة والعزلة والاعتكاف الشريفة والثقيلة الأجر. فلربما إن صحت توقعات السيد هانكوك (وزير الصحة البريطاني) أن التحرر من الحجر سيحل مع نهاية شهر أبريل، فستكون بذلك عزلة روحية من أربعين يوما. ستكون فعلاً “أربعون” (Quarantine). في هذه المدة، العالَم الملحد المادي سيعاني من الملل، والخوف والقلق المالي. معضلته واضحة: إما ترك الناس في بيوتهم أو إحياء الاقتصاد. الخوف من الموت والخوف من الفقر هما العملاقان المضطربان والمتصارعان في قلوبهم. لذلك، كلما استبطنا إسلامنا، كلما تجنبنا المعاناة من تلك الصراعات والمخاوف. المستقبل في يد الله وليس في يد البشر، وما نحن إلا مسافرين فيه حسب مشيئته.

في الوقت نفسه الذي نجرب فيه هذا الانعزال عن الدنيا، أعجبني كتاب الكاتبة الألمانية المسلمة Michaela Özelsel “أربعون يوما”، وهو عبارة عن يوميات عزلة أربعينية. سجلت فيها كيف أن كل يوم جلب معه ازديادا في معرفة النفس، والحمد والدهشة من قرب الله تعالى، وكذلك الإحساس بالحياة والَخَلق كنعمة خالصة مذهلة وغير مستحَقة. تعجبني الطريقة التي يتلو من خلالها دليلها الروحي الصلوات وهي تدخل الشقة حيث ستقضي هذه الأربعين قبل إقفال الباب بقوله لتلك الجملة التقليدية: “yumusak geçsin”، أي “فلْتمر بهدوء وسهولة إن شاء الله”. بالنسبة لكثير من الناس، العزل مزعج وصفاء التركيز الروحي يبدو أمَلا غير واقعي: فالأطفال يتشاجرون ويحتاجون إلى التمرين، نشتاق إلى أصدقائنا، بل والألم الأكبر هو إمكانية افتقادنا للعظمة الخالدة لصلاة التراويح في رمضان. قلوبنا تشتاق إلى المساجد، وفي هذا البعد ندرك كم نحتاج إلى ممارساتنا التعبدية الجميلة والشافية، وندرك أيضا بأسى كم هي فقيرة حياة الملحد. لكن ليس للإسلام كهنوت ولا كنائس مخصصة للعبادة دون غيرها. المختار يخبرنا أن واحدة من خصائص أمته أنه: ((وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا)). يوجد تقريبا في كل منزل من يؤم الصلاة، ولو بطريقة مبدئية. الصوم يمكن أن يؤدى بشكل شرعي صحيح. زكاة الفطر ما زالت إمكانية دفعها. الإسلام قابل للتطبيق كلية في عزلتنا. فلنُعد إذن تعَلُّم سُنة العزلة. دعونا لا نضيع الوقت ونستغل الفرصة. يمكن أن نقرأ الكتب مثل ما لم نقرأ من قبل: “نِعمَ الأنيس كتاب…إن فاتك الأصحاب”. وبينما نقضي أيامنا في انعزالنا السلمي، وقلوبنا هادئة، يمكننا أن ننشئ بطريقة خارقة للعادة إحساسا بالارتباط مع أرواح علماء الماضي عن طريق الخوض في كتاباتهم. يمكن أن نصبح بطريقة غامضة من بين مريديهم ونتمتع بصحبتهم. بنفس الشكل، علينا أن نرسخ الصلاة بقوة في بيوتنا، متذكرين الأمر النبوي بأن لا نجعل بيوتنا قبورا، ولكن حية بالصلاة. يجب أن يرُفع الآذان بصوت عال في وقته. علينا الرجوع للترتيل الحي للقرآن عوض الاستماع إلى تسجيلاته فقط. يمكن أن نأخذ دروسا على الإنترنت وتعلم أشياء كان يجب علينا معرفتها في السابق البعيد، خصوصا ضروريات الدين…أفراض الأعيان. يمكن أن تكون هذه فرصة الحياة للترقي في العلم، لإدراك ما كان يتوَجَّب علينا القيام به من قبل، وتذوَُق نعمة الزيادة في العمل.

في أوقات الفتنة، خصوصا وسط اضطرابات ومآسي آخر الزمان، أول التعليمات النبوية هي تكسير السيوف: “واضربوا سيوفكم بالحجارة”، وأن نصبح كقطعة من أثاث المنزل: “كن حِلسًا من أحلاس بيتك”. يجب أن تكون النية اجتناب مفاتن صخب العالم الخارجي: في عديد من الدول مثلا، إغراءات نظرة خائنة إلى عُري شهور الصيف، خطر النقاشات النابية، الغيبة والنميمة، حملات التسوق دون هدف أو وجبات المطاعم الباذخة. لكن أئمتنا، بما في ذلك الإمام الغزالي، يؤكدون على أن نيتنا يجب أن تكون أولا وقبل كل شيء حفظ الآخرين من شرورنا نحن، وليس أن نحفظ أنفسنا من شرورهم.
بالانعزال نستطيع تجنيب الآخرين الإصابة بعاداتنا الرديئة وسوء أدبنا. الآن نُلحق بالعالم أذى أقل.

ندعو الله إذن، في ليلة النصف من شعبان، أن يجعل فرصة العزلة هذه وقتا مباركا، وقت صبر وشكر، وتوكل وتسليم، وأن يقضي بحسن العاقبة. كنا جميعا نركض مسرعين خلف الدنيا، وعلينا التوقف والتنفس قليلا. فلندخل رمضان إذن في حالٍ مرتاح ومهيأ للصلاة والانتباه لواجباتنا واستحضار الله تعالى. فليكن رمضان هذا أفضل رمضان في حياتنا، خال من الخمول ومليء بالحب العائلي البناء والمغفرة والصلاة وطلب العلم. فلتنتهي هذه العزلة كما ينتهي رمضان دائما، ليس بإحساس التحَرر ولكن بإحساس أنه تم عيش وقت روحي استثنائي سنشتاق إليه. وطبعاً، كلنا ندعو بالرحمة لموتانا وزيادة التقوى في قلوبنا. وندعو أن يجعل الجبابرة يتواضعون، وأن تُرفَع يد المادية عن بني آدم المسعور الجشع المتوتر، وأن يكون هذا الوقت للتفكر والرجوع إلى الحق، ليس فقط للأمة ولكن للإنسانية جمعاء التي عانت من خطاياها لمدة طويلة، فتحِنّ بذلك لاسترجا عرحيم لقلبها الضائع بفضل الله.

بارك الله فيكم والعفو منكم والسلام عليكم ورحمة الله.
__________________
*fمناسبة تمديد الحجر الصحي في المغرب وfحلول شهر رمضان، يقوم فريق معاني بتقديم هذا النص للشيخ عبد الحكيم مراد (أو تيم ونتر) وهو الأستاذ والباحث fجامعة كامبردج المرموقة وأحد أهم الشخصيات المسلمة في العالم. النص ترجمة من الإنجليزية لنظرته حول وباء الكورونا. تجدون الفيديو بالإنجليزية مرفقا أسفله:
https://youtu.be/9AnTLiyWZVk