نون النسوة: مرايا النساء الزاهدات الصوفيات

إن كان الحديث سيغلب في هذا المقال -إلى حد ما- عن السيدة رابعة، إلا أن انتمائي الجغرافي لا يسمح لي بعدم الحديث، أو بالأحرى إيفاء بعض السيدات حقهن بالمغرب، وإن بالإشارة إلى أسمائهن، وهن الذي ساهمن في تسجيل بعض الإنجازات العلمية التي لا زالت خالدة إلى اليوم في الذاكرة التاريخية، خلدت بذلك أسماءهن بحروف لا تصدأ كما يقال، قد تكون بعض أسماء هاته السيدات معلومة لدى البعض أو مشهورة، لكن في سجلات التاريخ أسماء صنعت وقدمت للأمة الشيء الكثير.

أم الخير، كما تكنى بالعاشقة الزاهدة العابدة رابعة العدوية إلى خيرونه الفاسية، وإلى أول ممرضة في الإسلام رفيدة الأسلمية كما صنفها بعض الباحثين. أما النساء العالمات اللواتي عرفن في المغرب إلى جانب خيرونه أم المجد بنت أبي الحسن الشاري وأيضا السيدة محلة المراكشية التي اشتهرت بالفقه، وأم العز العبدرية المحدثة، ومنهن في التصوف السيدة منية بنت ميمون الدكالي وهن كثر…

رابعة العدوية:
هي رابعة، امرأة هامت في حب ربها حتى بات يطلق عليها سيدة العاشقين أو شهيدة العشق الإلهي، أما اسمها فذهب كل من الذهبي في سير أعلام النبلاء وابن خلكان في وفيات الأعيان أنها “أم الخير رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية” نسبة لمسقط رأسها البصرة، أما عن المناوي في كتابه الكواكب الدرية فقد وافق الجاحظ في أنها رابعة القيسية وتكنى بالعدوية نسبة إلى بني عُدوة، وميز بنيها وبين رابعة العدوية في أنها هي التي تكنى بأم الخير، عاصرت الحسن البصري، وهي من النسوة اللاتي تقدمن في الفضل وصلاح الحال، ومن الصوفيات الزاهدات اللواتي اشتهرن بعظيم النُّسك والكثير من العبادة والأهم الشوق إلى الالتحاق بالرفيق الأعلى والزهد في الدنيا الفانية، يلحق تاريخ وفاتها اختلافا بين العلماء، فمنهم من ذكر وفاتها سنة خمس وثمانين ومائة ومنهم من ذكر خمسا وثلاثين ومائة.

صنفها علي سامي النشار من الصوفيات أو العابدات اللواتي اشتهرن بالحب الإلهي البحت، ولكن الملاحظ أنه لم يصنفها مع رواد الحب الإلهي، بل اكتفى بالإشارة إلى أنها أخذت من بردة الصريمية وتأثرت بحيونة البصرية أيما تأثر، لينتقل بعد ذلك للحديث عنها مع ممثلي الحب الإلهي الأسطوري أو الحب في “صورته العارية”.

وقد كان الحق مع النشار حينما تحدث عن أن معظم الباحثين أو الصوفين الذين تحدثوا عنها اكتفوا بنقل ما ورد وسرد عنها دون أي مناقشة أو تمحيص، فهي أخبار وأقوال تفتقر إلى التحقيق العلمي. بالإضافة إلى أن كل ما وصلنا كان عن طريق فريد الدين العطار فيما رواه في كتابه “تذكرة الأولياء”، وهو رجل اشتهر بزهده وتصوفه ناسكا قطعا من الدنيا علائقه، لكن قوله في رابعة العدوية اتخذ مآلا لم يكن ليرمي إليه العطار واستنكروه عليه حتى بات بعضهم لا يطمئن إلى أقواله؛ فإخباره أن رابعة اتخذت من العزف على الناي مهنة لها، ثم تابت بعد ذلك وأصلحت وانتدبت لنفسها خلوة للعبادة، لما للناي من رمزية ودلالة كبيرة عند الصوفية، وأن العطار أطلقه من باب المجاز والرمزية، لا من باب الحقيقة، تعبيرا عن الشكوى وألم الفراق والابتعاد عن الله وشوقه إليه، ولذلك كل من اتجه إلى أن ذلك كان سببا ودافعا في زهد رابعة واعتكافها فيما بعد لم يتأمل في رمزية كلام العطار، خصوصا أنه لا توجد أية إشارة سابقة عن إتقانها العزف، ولا تتفق مع الإطار العام لشخصية رابعة.

فالأمر يحتاج إلى مزيد تحقق من المصادر التاريخية، وكذا توضيح الغموض الذي يكتنف حياتها وآراءها في إطارها الحقيقي، خاصة ما رواه المناوي في الكواكب الدرية عن كراماتها من “أن لصا دخل حجرتها وهي نائمة فحمل الثياب، وطلب الباب فلم يجده فوضعها فوجده، فحملها فخفي عليه، فأعاذ مراراً كثيرة، ثم هتف به هاتف، دع الثياب فإنّا نحفظها ولا ندعها لك، وإن كانت نائمة”، وإن كانت هذه الترجمات والدراسات قدمت لحياة رابعة العدوية الشيء الكثير وأغنت حياتها وأثْرتها، إلا أنها أضافت ضبابية على ضبابية سابقة اكتنفت حياتها ولم تسهم في رسم الصورة الصحيحة لما جادت به في حياتها الروحية الصوفية الإسلامية.

مما ميز حياتها الروحية أنها كانت بخلاف بعض الغلاة في عصرها الذين يقتحمون الحلقات الصوفية بصرخات عالية، وإنما مارست تعبدها وخوفها وزهدها في صمت واطمئنان فجعلت منه عبادة صامتة “انبثق الحب في رابعة، في نفسها الرقيقة الشفافة فأخذت تعاين، فأطلقت نفس التعبيرات التي أطرقها الرجال من معاصريها”.

إن صح القول: أقول إن رابعة مثلت الزهد والتصوف السليمين بدون دراما عنيفة، ولا شطحات بدعية، ولا صيحات شجن وتأوهات الحزن، وإنما كان بيتها هادئاً لا تعلوه الأصوات العالية، أنشدت فيه أنشودة الحب الإلهي في أعماق قلبها:

أحـبـك حـبـين حب الهوى *** وحـبّـا لأنـك أهـل لـذاكـا
فأما الـذي هو حب الهوى *** فشغلني بذكرك عمن سواكا

مقالات مرتبطة

إن الكلام عن رابعة العدوية كثير، وتتضارب فيه الأقوال وتختلف، لكن الأكيد والذي لا غبار عليه أن رابعة من العباد الزاهدات الصوفيات، ممن عرفوا الله واتجهوا إليه بحبهم وشوقهم إليه، فلا يسعني التفصيل في أقوالها في مقامها هنا، ونحن اتخذنا من مقامنا نسج الحديث عن النسوة العابدات الزاهدات.

خيرونة الفاسية:
إن المرأة المغربية الأندلسية كان لها الأثر الكبير في التحولات السياسية والاقتصادية لتقدم البلاد وتنوير العباد، على غرار ما خلفته النساء بالمشرق، سواء في عهد المرابطين أو الموحدين أو المرينيين وغير ذلك، ومن بينهم أم البنين فاطمة الفهرية التي ساهمت في بناء مسجد القرويين أو جامعة القرويين في عهد الدولة المرابطية، أما في عهد دولة الموحدين شاركت خيرونه الأشعرية في الحياة العامة ونشر العقيدة الأشعرية وعليها سيكون مدار حديثنا.

من المؤسف أن اسم خيرونه هذه ليس ذائع الصيت، إلى جانب بعض النساء والسيدات اللواتي كتبن تاريخا مشرفا، لكن أغلب أسماء من ساهمن في العديد من الإنجازات العلمية في مختلف مناحي الحياة لقين مصير ما لقيته خيرونه. يذكر عبد الله كنون في النبوغ المغربي أنها من النساء العالمات الأندلسيات اللائي نزحن لبلاد المغرب، وبفضلها ألف شيخها الإمام السلالجي عقيدته البرهانية، يذكر اسمها في سجلات التاريخ ممن برعن في الفقه وكان لهن الفضل الكبير في نشر العقيدة الأشعرية بين نساء أهل فاس، وكذا ممن اهتموا بتزكية حياتهم الروحية، فدرسوا كتب التصوف على يد أئمة التصوف حتى أصبحت مع تعاقب السنين زاهدة من الزاهدات العابدات القانتات الصالحات.

كانت خيرونه الفاسية تتردد على أحد أئمة أهل فاس “عثمان السلالجي” وهو من العلماء الأشاعرة بالمغرب، فكانت تحضر مجالسه لما لها من اهتمام بأمور العقيدة وتبحث في أحكامه، فكانت رحمها الله تتقن علم الفقه ومن علماء العقيدة في المغرب.
وهذه السيدة خير مثال وبرهان على ترسيخ تعليم علم الكلام للنساء ودحض كل الأفكار على أن النساء لا شأن لهن بالعقيدة، فحظ النساء في العقيدة مثل حظ الرجال منها، وترجح بعض المراجع أن لهذه السيدة الزاهدة الفضل على أبي عمرو في إقباله على التأليف والكتابة، كما لها الفضل على نساء فاس المغربيات في تعليمهن الفقه والعقيدة والحديث والأصول، كما أخد عنها بعض الرجال في فاس لأنها كانت ضليعة في مختلف العلوم الشرعية، فذاع صيت غزارة علمها بين الناس في المغرب الإسلامي.

رفيدة الأسلمية:
لبعض النساء في التراث الإسلامي الفضل الكثير على المسلمين، لكن ولأسباب طمس أثرهن، وأصبحنا لا نعلم بخصوصهن شيئا، وإن كان فضل هذه السيدة الجليلة الذي قد يبدو للبعض هينا، إلا أنه في فترة زمنية محددة كان عظيما وذا قيمة كبيرة، فهذه السيدة هي رفيدة الأسلمية، تعرف بأنها أول ممرضة في الإسلام. ذكر ابن عبد البر أن اسمها رفيدة، سيدة أسلمت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت لها خيمة تداوي فيها الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، الأمر الذي جعل الكثير من الباحثين يذهب إلى أن هذه الخيمة تعد أول مستشفى ميداني، لأن رفيدة رضي الله عنها كانت تتنقل به مع رسول الله في غزواته.

ذكر ابن كثير وابن حجر أنها رفيدة الأسلمية الأنصارية وقيل الأسلمية نسبة إلى بني أسلم تداوي الجرحى والمصابين، اختلف الباحثون والعلماء في الترجمة لها، فمنهم من اكتفى بذكر أنها رفيدة ومنهم من أضاف الأنصارية، ومنهم من رفض ذلك وقال الأسلمية، لكن عموما، الكل متفق على أنها رفيدة بنت سعد الأسلمية الخزرجية الأنصارية، نسبة إلى قبيلة بني أسلم إحدى قبائل الخزرج في المدينة المنورة، التي كان يطلق عليها يثرب قديماً، أما في اتصالها بمهنة التمريض واشتغالها فيه، فمنهم من ذكر أنها التجأت إلى ذلك لما رأته من والدها في مداواة القوم بالشعوذة والكهانة والسحر، فقررت أن تتطوع لعلاج الناس بالمجان وتكرس حياتها لرعاية جرحى الحرب والمرضى والضعفاء، وذهب آخرون إلى أنها من الصحابيات الجليلات اللاتي استهوتهن حرفة التمريض ومهنة التطبيب والمداواة، وكانت تداوي الجرحى في ميادين القتال حتى تفوّقت في ذلك وعُرفت بين الناس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى أن تنصب خيمتها إلى جوار خيمته أثناء معركة الخندق لعلاج الجرحى.

من المؤسف أن كتب التراجم لطبقات الأطباء والحكماء من بداية الدولة الإسلامية وما قبلها لم تترجم لرفيدة الأسلمية ولم تشر إليها، بل ابتدأت ترجمتها من الحارث بن كلبدة الثقفي وما بعده، ولا نعرف هل زامنت هؤلاء الحكماء أم لم تصادفهم في حياتها، فهذه الكتب لا تذكر ذلك، لكن من ترجم لها اكتفى بذكر اسمها ونسبها والحادثة المتعلقة بها في مداواة سعد بن معاذ في خيمتها توصية بذلك من رسول الله.

فرفيدة الأسلمية بايعت رسول الله بعد الهجرة وصحبته في بعض الغزوات منها غزوة الخندق وأحد وخيبر، ويقال إنها كانت صاحبة ثروة تنفقها في معالجة المرضى والمساكين والفقراء، ولم تستأثر بحرفتها ومهنتها هاته لنفسها فحسب وإنما مررتها لبعض الصحابيات وعلمتهن التمريض وفن المداواة وتضميد الجروح والكسور.

فخيمتها تلك ما يعرف في يومنا هذا بالمستشفى الميداني بأدواتها وأجهزتها واحتياجاتها، وكانت رفيدة رحمها الله طبيبة وممرضة متميزة وماهرة في تصنيع العقاقير والأدوية وتجبير الكسور وفضلها أكبر من الحديث عنه في بضعة سطور.