هل سعادتنا بالأشياء مجرّد صدف؟

أؤمن جدّا بأن سعادتنا بالأشياء لا تأتي بمحض الصدف، بل بمدى احتياجنا لها، وكذلك توقيتها؛ فالوقت عامل حاسم كذلك…فما كان ليسعدك. وأنت في العشرين غالبا ليس تماما هو ما تصبو إليه نفسك في الثلاثين أو الأربعين. فنحن نتغير مع الزمن وتتغير معنا احتياجاتنا، وأمانينا، وأحلامنا ونظرتنا للأمور وبالتالي أفراحنا.

ما يرضينا اليوم قد لا يتحفنا؛ إذ أحيانا تنقلب أمانينا لتصير سببا لأحزاننا وحسرة في قلوبنا، فيتمنى المرء لو لم تتحقق قط. فكم من شابة قضت اللّيالي تدعو الله أن يرزقها بفلان زوجا لها دون سواه…هُوَ أو هُوَ سواء كان فيه الخير أو لم يكن…ويشاء الله أن يستجيب لها وأن تتحقق دعواتها …ثم تجدها تلعن اليوم الذي رمقت فيه ذاك الزوج وتلعن الظروف التي جمعتها به وتشتكي حظها البائس..

في مكان آخر تجد امرأة كل مرادها أن تصبح أمّا، وأن تحمل في رحمها جنينا يشبهها ويشبع حسّ الأمومة فيها…يكون قرّة عين لها ويكون لوالده العين والقلب، وتحزن كثيرا لتأخر حملها، قد تتأفّف من قدرها، وقد تجعل من هذا الأمر محور وجودها متناسية باقي النعم التي تحفها، حتى لا تكاد تجد لذّة في العيش دونه…ثم يشاء الله وزرع ذاك القلب الصغير في أحشائها، ففرحت به أيّما فرح، وشاء الله كذلك وشَبَّ الطفل وصار شابا ثم رجلا، لكنه كلّما اجتاز سنة في العمر إلا وتقهقر سنوات في الخُلُق، وتسلّق سُلَّم العقوق بجدارة، وتربع فوقه بكلتا رجليه فإذا بها تسأل الله خلسة ليلا ماذا تراها ارتكبت من جرم حتى يجزيها بابن عاق كابنها؟

في بقعة أخرى من هذا الكوكب تجد شابا يبكي حسرة على عدم قَبوله في كلية الطب، معلنا بذلك وأد حلمه بأن يصبح جرّاح أعصاب ناجح، وبعد بضع سنين تجده قد لمع اسمه في عالم المقاولات، وأصبح قدوة للعديد من الشباب وساهم في خلق العديد من مناصب الشغل في بلده.

وكثيرا كذلك ما تفقد الأمور بريقها إن أتت متأخرة بل تصبح بلا معنى، فتصريح الحب الذي وصل متأخرا لم يعد مهما، ورسالة الاعتذار التي فكّرت في كتابتها بعد كل ذاك الظلم والوجع الذي سبّبته خلال سنوات، لن تمحه كلمات جاءت متأخرة على استحياء.

خلاصة الأمر، أن علينا أن نعي أن السعادة، والفرح والرضا كلها أمور نسبية…وأن ما يفرحك اليوم قد لا يروقك بعد حين، وما أرَّق مضجعك البارحة ولم تَسْطِع عليه صبرا قد صار اليوم مدعاة لفرحك وفخرك، و أنه لا يسعنا الحكم على الأمور بنظرتنا الناقصة التي لا تعرف الخبايا والظروف ولا حتى المآلات…

وأنه سواء علمنا الحكمة من قضاء ربنا أو لم نستطع ذلك، فإن كل الأمور مصيرها التلاشي والزوال إلا وجه ربّنا الجليل، هكذا سنفرح باعتدال ونحزن باعتدال، سنتصالح مع الزمن والفقد..

سنستغني عن الأشياء قبل أن تستغني هي عنا، وسنروض هاته النفس التي لا يملأ جوفها إلا التراب، وسنصبو إلى سعادة أسمى وأبقى حيث لا تعب، ولا نصب ولا زوال!