هل نحن بصدد أزمة اقتصادية وسياسية عالمية ابتداء من 2020؟

يُقال إن على رأس كل عشر سنوات تنفجر أزمة تشل الاقتصاد العالمي، وهذا صحيح إلى حد ما. في 2008 كانت هناك أزمة subprime الأمريكية، ومنها إلى أوروبا وبعدها كل دول العالم. في 2000 أزمة “فقاعة الدوت كوم” وسقوط أسهم أغلب شركات الأونلاين، التي تأسست في التسعينيات بعد ظهور الأنترنت، كـ Amazon, Google, Yahoo وغيرها. وفي سنة 1990 اندلاع حرب الخليج الثانية…وهكذا دواليك إلى أن نصل إلى أزمة 1929 المالية الخطيرة.

فما هو سبب هذا الاحتقان الاقتصادي العالمي؟

مما لاشك فيه أن بعد اندحار الاتحاد السڤياتي في تسعينات القرن الماضي، أصبح ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، هذا النظام الذي تسوده أمريكا ومن ورائها دول أوروبا في إطار ما يسمى بحلف النيتو. لتصبح الساحة فارغة وبلاعب وحيد يحكم بأمره العالم كله، اقتصاديا، وسياسيا، وعسكريا وثقافيا. ظل الأمر على ما هو عليه إلى أن استفاق التنين الصيني من سباته، وأصبح يحقق مستويات تفوق الخيال في التقدم الاقتصادي، وأصبحت الصين تحقق نموا برقمين من خلال ناتجها الداخلي الخام GDP أو PNB بالفرنسية، في كل دول العالم برقم واحد.

وانطلقت هذه الدولة من مراتب اقتصادية متدنية إلى عهد قريب، إلى ثاني أكبر قوة اقتصادية بالعالم مزيحة بذلك كل الدول الكلاسيكية الأخرى كاليابان، وألمانيا، وانجلترا وفرنسا. وتشير مكاتب الدراسات في أمريكا وغيرها إلى أنها ستزيح أمريكا في عام أو عامين لأول مرة من المرتبة الأولى. إلى جانب الاقتصاد، هناك تحولات كبيرة في الجانب الاجتماعي لهذا البلد، كتحسن مستوى الأجور، والصحة، والتعليم وغيرها، بالرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني مازال يضيق الخناق على الحريات الفردية، كأزمة حقوق الإيغور والتيبت.

ومن هذا المنطلق، سيدرك أي عاقل أن أمريكا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الاستحواذ، والتطور الاقتصادي، والثقل السياسي المذهل لبلاد المليار ونصف بني آدم. وهنا بدأت أمريكا تضع العراقيل في طريق التنين الصيني ابتداء من فرض حظر تجاري على السلع الصينية في الولايات المتحدة، إلى تحريض الاتحاد الأوروبي الحليف لفرض المزيد من الرقابة على المنتجات الصينية، إلى معاكسته فيما يتعلق بحقوق الإنسان…فما علاقة الاقتصاد العالمي ككل بأزمة بين دولتين؟

عزيزي القارئ، هما ليسا أي دولتين، إنهما أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، ومعظم دول العالم على علاقة بهما سواء تجاريا أو سياسيا أو ماليا. ثم إن مستوى تداول عملة أمريكا-الدولار، هو المحرار اليومي للاقتصاد العالمي، لأن جل المعاملات التجارية الدولية تتم بالدولار، وحتى أنها فقدت مصداقيتها منذ خطاب الرئيس نيكسون الكارثي في السبعينيات، إلا أن العالم لم يجد بعد بديلا لها.

من كل هذا، وما لم ترضخ الصين لمطالب أمريكا التجارية والمالية خصوصا إعادة تأهيل عملتها اليووان، وتحسين نظامها الجمركي وتقليص أطماعها مثل إعادة رسم طريق الحرير…فإن الأزمة، والله أعلم، على حسب ما يقوله خبراء الاقتصاد والسياسة في أمريكا على الخصوص، ستستمر وستزداد تفاقما إلى حد أنها ستتطور إلى حرب عسكرية بين الدولتين، لكن ليس إلى القدر الذي يهولها به البعض بأنها ستصبح حربا عالمية ثالتة، ربما فقط بعض الصواريخ على بحر الصين الجنوبي وغلق إمدادات الصين بالنفط من طرف دول الخليج بإيعاز من أمريكا، حتى روسيا لن تتدخل في الحرب ولا الإمداد، لأنها ستخاف من جرها إلى حرب كبرى واستعداء أمريكا. بعدها ستجلس الصين للطاولة وستتفاوض وسيتم حل المشكل ببعض التنازلات.

قبل أيام وافقت الصين على مستويات كبيرة للشراء سنويا للسلع الأمريكية في بعض القطاعات، فهل ستلتزم بذلك أم أنها فقط خدعة لكسب الوقت، هذا ما ستوضحه الأيام القادمة.

على أي، بروز قوة عالمية جديدة أو قوى أخرى كروسيا، والهند، وإيران، والبرازيل وتركيا وغيرها، تتقاسم الأدوار مع أمريكا، يعد بمثابة أثر صحي جدا للاقتصاد العالمي، في ظل السبات العميق الذي نخوض فيه نحن في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.