هل هي سنة جديدة بما يكفي؟

594

أيام وتطوى سنة أخرى من سنوات التاريخ، سنة استولت -كما السنوات السابقة- على صفحات من سجل عمرنا، ومساحات من الذاكرة، وحفرت عواطفها المتناقضة على ليالينا الفائتة. سنة ستركن مع باقي أحداث الماضي، ستحمل معها كل تفاصيلها، فتنسحب فصولها من توقيتنا وتندثر أرقامها التي ألفناها ونحن ننطقها واعتادت عليها مذكراتنا وهواتفنا.

في مثل هذه اللحظات، ينكشف جليا الجانب النفسي للزمن، وتظهر قوة العاطفة والإحساس في تقليص أو تمديد الوقت بعيدا عن كل المحددات الفيزيائية. فنجد من أمضى السنة -إلى حد ما- في غبطة وسعادة واستقرار كبير، يختزل أيامها في رمشة عين مليئة بكل تفاصيل الفرح، ويستقبل السنة الموالية وكله أمل في أن تكون امتدادا لما قبلها. وهناك من فاجأه عامه بخيبات كثيرة وآلام محكمة، تدمي القلب وتهد من قوة الروح، فعاش كل لحظة كأنها دوامة لا تنتهي عواصفها، أو كطريق موحش لا يوصل إلا لطريق أكثر وحشة وكآبة.

ثم تطل السنة الجديدة على روحه المتعبة، فيستقبلها بخوف واضطراب من أن تكون تتمة لنفس العام.

هي سنة واحدة وموحدة بين الاثنين إلا أن طبيعة ما عاشه كل واحد منهما خلالها، أعاد تحديد مدتها.

وفي كلتا الحالتين، لا ينبغي أن يقتصر التغيير على أرقام تتبدل من سنة لأخرى، فنظل أسرى تغيير زمني مسلم به، لا يزيدنا شيئا إلا التقدم في العمر واستقبال كل مرحلة من مراحله بنفس العقلية ونفس الطموح، بل يجب أن يمتد ويتوسع ليشمل كل جوانب الحياة، فلا منطق يؤكد بالسكون في عالم يعج بالمتغيرات والأحداث الجديدة.

مقالات مرتبطة

لهذا يجب أن نتعلم كيف ندفع الكرة إلى الأمام ولو بشبر، وأن نتسابق مع الزمن في تغيير أنفسنا وتطويرها، ونواجهه بأمل وعزيمة أقوى من كل ما سيأتي به من انكسارات. أن نستعد للخيبة والكمد ونجتاح الفرح اجتياحا خاليا من أي تمهل أو تردد أو خوف. يقول محمود درويش في كتابه يوميات الحزن العادي: “إذا جاءك الفرح مرة أخرى، فلا تتذكر خيانته السابقة، أدخل الفرح وانفجر”.

علينا أن نجعل من التفاؤل طينتنا الأساسية، وليس مجرد فكرة أو إحساس غابر ينتابنا على فترات قصيرة؛ أن نستمد طاقتنا من الرضا بأقدار الله علينا، ونسعى دئما إلى ما فيه نفع وصلاح لذواتنا الإنسانية؛ أن نستعين بالحلم ونتحرك مع الكون ونسايره في تغيراته فنصنع لأنفسنا محيطا إيجابيا نبني فيه قيمتنا خطوة خطوة.

يقول مصطفى الرافعي: “إذا لم تزد على الحياة شيئا فأنت زائد عليها”، فتعلم شيئا جديد، أو اكتسب مهارة، اني خيبة وتجاوز نكسة، أو افعل خير، أو ارسم ابتسامة على وجه أحد ما…هذه كلها إضافات تجعل للحياة معنى جميلا، وتصنع لصاحبها عبقا بهيا يفوح منه أينما حل وارتحل، الشيء الذي سيحببنا العيش فيها واستحمال فترات قساوتها وجفائها.

ففلسفة التغيير تجعلنا نكتشف جوانب كنا نجهلها، نتعرف عن أنفسنا أكثر، نقيم معها قدراتنا ونوسع من رؤيتنا للآخر وللعالم المحيط بنا بكل جزئياته. وأحيانا لا يتطلب الأمر إلا بعض الشجاعة لخطو الخطوة الأولى، والخطوات الأخرى تأتي بمهل وتأن، فنجد أنفسنا قد اقتحمنا التغيير الجديد من كل أبوابه، وألفناه وقطفنا ثماره التي كنا سنحرم منها لو رضينا بالجمود الأول، واختزلنا جوهرنا المتميز اختزالا سحيقا ظالما، واعتبرنا فصول حياتنا على هذا الكوكب أحجارا صماء على فم نهر منسي.

فكما يسمح الزمن لنفسه بأن يتغير وتتعاقب فصوله، كما حددتها نواميس الله في كونه، يجب علينا أيضا أن نمنح لذواتنا فرص التغيير للأفضل، والإقدام على رسم خطوات جديدة وخوضها، واتخاذ قرارات تستأصلنا من وضعية الخمول والجمود والثبات السلبي، وأن نعتبر السنة الجديدة منطلقا آخر وبداية مشجعة لترى النور قرارات واختيارات دفنت بسبب عواصف الخوف، والتردد والرضا بالعادي البسيط. فتصبح السنة جديدة ليس فقط من ظاهرها الجلي للجميع، بل أيضا من جوهرها وأساسها الذي بطبيعة الحال يختلف من شخص لآخر.