واحد وواحد، اثنان؟

تصبح الحياة أقل تعقيدا عندما ندرك أن لكل منا حكايته الخاصة، حارس السيارات الذي تلتقيه كل صباح بالقرب من بيتك بطل حكايته، صديقك الذي باعدت بينك وبينه الحياة لسبب أو لآخر أيضا بطل قصته، حتى ذاك المسكين الذي يجلس بجانب بائع الخبز منتظرا منك صدقة تسد رمقه بطل حكايته أيضا، لكن في نهاية اليوم، الأعقل بيننا هو من يحاول أن يجعل من يومه أفضل من البارحة، سواء عبر نفسه أو عبر غيره.

مؤخرا جمعتني الأيام بصديقة ابتسامتها لا تفارق محياها، وحزمها لا يدع للمرء مجالا لتجاوزها، تحمل من كل شيء قدرا حتى تكاد تظنها كاملة مكتملة، لأتفاجأ يوما بدموع تتلألأ في مقلتيها، حاولت جاهدة إخفاءها، غير مدركة أنها بها أقوى مما تبدو عليه، لربما مواطن ألمها هي ما زادت وجهها نورا، أضفت عليه من الجمال ما لم تنتبه له غالبا. جمال المحاربة وعدم الخضوع للأمر الواقع، جمال التخبط والمثابرة محاولة تجاوز أشياء لم تخترها، بل فرض عليها التعايش معها، حتى كادت تنسيها مشاكلها اليومية. هكذا روت لي قصة طفولتها دون سابق إنذار من دموعها، أو ربما هذا ما فهمته. قصة مختلفة لم أكن لأربطها يوما بها، لكنها جعلتني حقا أتأدب أكثر في حكمي على الناس، عندما تنظر للأمور من زاويتك، يبدو لك كل شيء منطقيا وسهل التطبيق، خاصة عندما يتعلق الأمر بالآخرين. فإذا أضفت واحدا لواحد، فلا يمكن أن تكون النتيجة سوى “اثنان”. لكن ما أدراك أن العملية حقا بهذه البساطة، لربما كانت أكثر تعقيدا مما تبدو عليه، لكنك بسذاجتك لم تفطن للأمر. فإذا أخذنا أطفالا ذوي أعمار مختلفة وطلبنا منهم حل العملية، فلا شك أن النتائج ستختلف من واحد لآخر؛ ذو الست سنوات سيجيب في لمح البصر، وذو الخمس سنوات قد يخطئ كما قد يصيب. لكن ذو الثلاث سنوات سيحتاج مثالا عمليا ليدرك الهدف من العملية، قد يستدعيك الأمر أن تستعين بالنقود أو الفواكه، وربما أصابعك، وأخيرا فإن ذي العامين لن يستطيع على الأرجح حلها، لأنه ربما لا زال لم يتعلم بالأساس تلك المهارات التي ستساعده في فهمها. وسيكون من الحمق أن تطلب من رضيع ذي أشهر معدودة أن يحل المسألة.

مقالات مرتبطة

لكن، أتدري؟ لربما ما سيثير اهتمامك أكثر هو ذي الأربع سنوات الذي سيخبرك بكل ثقة في النفس أن واحدا زائد واحد يساوي إحدى عشر، هكذا هي نظرته للحياة. لا داعي للاختراع، فقط تجميع الأشياء مع بعضها، وتسميتها كيفما ظهرت، وهذا خطأ باتباع منطق الرياضيات المتعارف عليه. لكنه صح حسب منطق هذا الطفل الذي لا بد أنه اكتسبه اعتمادا على تجاربه ورؤيته للأمور. الأكيد أنه سيأتي يوم يصحح فيه خطأه بالشكل الذي يضفي له مهارة في حياته. والأهم تأثير تعاملك مع خطئه عليه وعلى نفسك. الاستهزاء به لن يجعلك تبدو الأذكى، وتأنيبك له لن يجعلك تبدو الأعقل. لكن، كن أكيدا أنك إن استطعت أن تقنع عقله البسيط بالجواب الصحيح، فلا شك أنك ستكون الأنضج. لأن طريق الإقناع ليس سلسا بالقدر الذي نظن، وإنما يمر من فهم للآخر وتعاطف وتقدير وربما إعجاب، ثم تواصل وصولا إلى القدرة على الإقناع.

ويمكن إسقاط هذا المثال على واقع كل واحد منا، نتعثر أحيانا ثم نقف، كل حسب معطيات قصته. لا يمكنك لوم أحد على كيفية رؤيته للأمور، فلا أحد منا كان يعلم منذ البداية أن مجموع واحد وواحد هو اثنان، بل تطلب الأمر سنوات. في المقابل، تستطيع أن تصحح ما يبدو لك خطأ بالقدر الذي تنوي فيه الإصلاح، دون تقليل من الشأن ودون تعال على تفكير الآخر. بهذا الشكل، تقاطع حياتك مع حياة الآخر يصبح استثمارا ناجحا لك في تكوينه، عوض أن يكون ذكرى سيئة له عنك. وفي هذا الصدد، تطل من ذاكرتي أحداث روتها لي الأيام، وأثرت بي بشكل خاص. أولاها، عندما ألقيت التحية على أبي صباح أحد الأيام، قائلة له صباح الخير بابا، فأجابني، وعليكم السلام ورحمة الله. أغضبني جوابه لأن نبرته أوحت لي بتعصبه حتى في التحية. لكن ما لبثت سحابة غضبي أن انقشعت فور إخباره إياي عن حديث أفشوا السلام. لاحقا، وفي نفس اليوم، أرسل لي أبي رسالة نصية عن نفس الحديث مخبرا إياي عن فوائد السلام. الذكرى الثانية، تخص صديقة قديمة لي، ناقشتها في وقت ما عن أهمية الصلاة، وقمنا بتجربة صغيرة في هذا الصدد. مضت الأعوام لنتحدث مرة أخرى عن هذا الموضوع ففاجأتني بالتزامها التام بالصلاة، ومحاولة تحسينها لأدائها. لا أدري ما الشعور الذي اختلجني ساعتها. لكن الأكيد أن فرحتي جعلتني أخجل من نفسي عندما تذكرت أن صلاتي بالنسبة لي هي عادة أكثر مما هي اجتهاد. وربما استثماري القديم في صديقتي قبل سنوات، أصبح في الحقيقة استثمارا حاليا في نفسي. أخيرا وكذكرى ثالثة، أهدتني صديقتي مؤخرا مجموعة من الهدايا التي أخجلتني بقدر ما أفرحتني، في المقابل، أخبرتني أنها ليست مقتنعة كثيرا بما أهدتني لأنه وحسبها، فقد كنت شخصا مؤثرا كثيرا في حياتها، خلال إحدى الفترات الصعبة. أجبتها أنها هي من كانت لي سندا قويا خلال نفس الفترة. وأنه لولاها لكانت أكثر تعقيدا.

لاحقا، عندما عدت إلى البيت، فكرت مليا في الموضوع. كيفما كانت حياتنا، فنحن أبطالها شئنا أم أبينا، لكل منا ابتلاؤه ومعركته. لكن الفرق يحدث عندما نستوعب قيمة حياتنا، ونساويها مع قيمة حياة الغير. ربما ما قام به أبي، أو ما قمت به أنا أو ما قامت به صديقتي تدخل بسيط دافعه الرغبة في الإصلاح والمساندة وغيرها من القيم الحميدة. لكنه في الحقيقة أحدث تغييرا جذريا في حياة الغير. ولا شك أن هذه النتيجة ستصبح بشكل أو بآخر دافعا لتغيير أكبر. لهذا، أظن أن كلا منا ينبغي عليه الوعي بما يقدمه من ملاحظات وتدخلات. ما تمنحه، دائما ما يعود لك على هيئة مختلفة، لكن بالصيغة التي تناسب قصتك. إذن ازرع في الآخر بالشكل الذي تود أن يزرع فيك، و بالقدر الذي ترغب أن تحصد.