وجه الإنسانية النضير؛ رسالة في انتصار الضمير

الإتقان، العمل باحترافية، وإتقان كل ما تضع يدك عليه، إنّ نشوة تطبيق هذه الكلمة تكبر أضعافا من قولها فقط، ومن آمن بهذا اللفظ قولا وعملا سيحذو حذو النجاح الفردي الديني والجماعي الدنيوي، على اعتبار أن الإتقان صفة إنسانية حميدة تغنيك عن الغش وعواقبه المتجسدة في النفاق والاستخفاف. ونظرة خاطفة على كل قطاعات بلادنا خير مثال على عواقب الاستخفاف بالعمل وتغشيشه.

مع مرجعية مجتمعنا الدينية التي تؤكد على التفاني والإتقان مصداقا لقول الرسول ﷺ: «من غش فليس مني.» وقوله ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.» إلا أن ظاهرة الغش في العمل والدراسة والعبادة متفشية حد شيوع النفاق المجتمعي والازدواجية لدى كثير منّا! وقد ساهمت التنشئة الاجتماعية في ذلك إلى حد كبير، حيث التأثير بالأخلاقيات السلبية انتشر بيننا كانتشار النار في الهشيم.

مقالات مرتبطة

سيقول قائل في هذا الصدد: “الكل يعلم والجميع يعي إيجابيات الإتقان وأهميته، ثم ماذا بعد؟” وسيتساءل آخر: “ما الحل؟” الحل ببساطة أن يشرع الناس في التغيير، منذ اللحظة التي آمنوا فيها بالفكرة، متناسين تعليقات الناس وردود أفعالهم. الحل أن يتقن الفرد عمله ويحرص على أن يُتقن عمله الموكل لشخص آخر أهل في المجال دونما إفراط أو تفريط. هذه الحركة البسيطة واليومية ستغير من واقع مجتمع ودولة بأكملها في مدة وجيزة. ولا يخفى على أحد منا التأثير الاجتماعي للظواهر، سلبية كانت أم إيجابية، التكرار يخلق عدوى تتناثر بين أفراد المجتمع دونما وعي منهم، حيث إن المتقن لمهنته وواجباته ومسؤولياته كافة يؤثر بالمداومة في المحيطين به، وهذا عين ما نراه في دولة الصين، حيث الإتقان والتفاني في العمل صفة باتت فطرية أكثر مما هي مكتسبة، وعلة ذلك أن الصينيين أثروا في بعضهم البعض وطبّعوا هذه الخصلة النبيلة في روتينهم اليومي -وشتان بين روتينهم وروتيننا-. والحال أنني كلما تذكرتهم ومجموعة أخرى من الدول المتحضرة أخلاقيا ينقدح في ذهني قول غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير متحدثا عن أخلاقيات الجماهير: “إذا كنا نعني بالأخلاقية بعض الصفات كالتفاني، والإخلاص، والنزاهة، والتضحية بالذات وحسن العدالة فإنه يمكننا أن نقول على العكس -يقصد عكس علماء النفس الذين درسوا الجماهير من وجهة نظر سلبية ومن منطلقات جرائمية- بأن الجماهير قادرة على رفع أنواع الأخلاقية.”

على غرار تأثير الجزئيات الصغيرة في العالم، فإن الصفات المجتمعية في جزئيتها المحملة داخل الفرد، تنعكس سلبا أو إيجابا على العالم. بالتالي، إذا عزم كل فرد على ترسيخ صفة الإتقان في سلوكياته أولا وسلوكيات المحيطين به ثانيا، سنحصل في مدة وجيزة على شرف التمدن والتحضر الأخلاقي وهو مفتاح التقدم في شتى المجالات. لِمَ؟ لأن الإتقان في العمل يولد الضمير، والضمير بحمولته الإنسانية يترفع عن جميع الأفئدة الأخرى بما فيها العقل؛ كون انتصار الضمير هو انتصارٌ للإنسانية!

1xbet casino siteleri bahis siteleri