ورطة الحجر

منذ أن تم إقرار الحجر المنزلي، بدأ العامة يتذمرون، مع أن الراحة لا يكرهها أحد والوقت شيء ثمين يحتاجه كل منا في زمن السرعة، ولكننا ما زلنا نشتكي والحظر الصحي ما زال مستمرا. فلماذا نشتكي إذن من الحجر المنزلي؟

أعتقد أننا لا نتذمر من حظر التجوال فقط لأن حريتنا سلبت، ولا لأن روتيننا اليومي تغير، ولا لأننا اشتقنا لحياتنا التي كنا نشكو رتابتها ولا للقاء الأحباب الذين بتنا نتواصل معاهم أكثر حتى مللناهم؛ إذ إن التباعد الاجتماعي مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي مستحيل. بل كل ما نخشاه لقاء وخلوة مع أنفسنا، التي لا بد أن تحصل في هذه الظروف وذاك شيء صعب وشاق ومؤلم وفعل شجاع. نشتكي لأننا لا نريد أن نلتقي ذواتنا ونخاف بشاعة نفوسنا، فكنا نلتهي بأحداث الدنيا كي ترهقنا وتتعبنا بفلسفتها عن جوهرها، ولكن جاء الحجر فتعطلت جميع المشاغل وطارت البهرجة وزالت أعذار استحالة هذا اللقاء.

لم يبق عمل يلهينا أو جمال أو ثياب تخدعنا، فقط نحن والمرآة أو نحن دون مرآة خارجية، ولكن بضمير لم يعد أبكما بل متمردا يصرخ طول الليل والنهار فينا يذكرنا بفشلنا، بغفلتنا، بتفاهتنا، بهزالة علاقتنا وببلادة عقولنا. نهرب منه دون جدوى ولكن الصوت يصم الآذان، والمرآة تواجهنا كل حين أينما استدرنا دارت، تعكس صورنا وتمحو صور غيرنا التي كانت تشغلنا أثناء حديث المجالس، من كنا نغتابهم التهاء وتفاخرا حين كنا معتقدين أننا الأسياد والآخرون العبيد، وأننا التقاة والآخرون الضالون.

مقالات مرتبطة

صوت يشق الأنفس ولكن لا مفر منه إلى شارع ولا من نافذة ولا من سقف؛ تتمدد هربا فيغادرك النوم، فتجلس لترى بشاعة نفسك وكيف شوهت نفسك بالحياة وبالثرثرة، فتلوذ بالصمت الظاهري والضجيج يملؤك من الداخل. نكتشف أن حتى علاقاتنا هشة ومع الوقت الكل ينزوي، الأخوة تستسلم، والأمومة تنضب، والأبوة تصمت لأن لا مواقف لتظهر فيها والصداقة تذوب والمناسبات المزيفة تغيب مع أجوائها المختلقة التي يغلب عليها بعض النفاق المفتعل لتبقى فقط المشاعر الصادقة، حتى حبنا من ظنناه قويا أمام العواصف لم يصمد فوهن بعد أن انتهى الغزل واستنفذ العتاب فاجتررنا الحيرة وأسدل الصمت القاتل الستار، وما بدأنا الكلام إلا خوفا من ذاك الصمت.

تطير كل الأعذار، تذوب المغريات ويحدث اللقاء المنتظر فنراجع أنفسنا ونصادق ذواتنا أو نهرب. بعد التحية فقط تتوالى التحيات عند الجبناء وتكثر اللقاءات عند الشجعان، كثرث الإجراءات الوقائية ضد الوباء وكثر معها التأفف؛ فبين مطبل لها وبين متهم بترويضنا بها ومشكك بالحرص على سلامتنا، بين مرتاح من الضغوط، وبين متكدر من قلة مورد رزق، بين كاذب كشف وبين مظلوم نصر، بين أنفس سكنت لبعضها وطبائع تنافرت عند تقاربها، بين طفل حظي أخيرا بحياة طبيعية وطفلة ضاقت جحيم لم الشمل في أبغض صفاته، بين ظالم كان يفرح أهله حين يغيب وبين أب يستأنس بيته بوجوده فرحا بدخوله، بين متأفف نرجسي لا يعجبه العجب يعاني أهله من أنانيته وبين متعاون خيره باد بين أهله…هكذا مرت أجواء الحجر بين زيجات ستنتهي وبين حب صادق سيبنى، بين أبناء سيكونون ثمرة هذا الفراغ الطويل وأبناء سيجربون الفراق رحمة بما تبقى من أيامهم، بين تجار خسروا رؤوس أموالهم وجاههم وسلطتهم بسبب هذه الأزمة وبين من بدؤوا تجارة مع الله لن تبور.

سينتهي الحجر ولكن لا ننسى أنها فرصة والفرص لا تعاد؛ فرصة لفهم الذات وإصلاح ذات البين بين القلب والجوارح، وفرصة للتساؤل فأسئلة كثيرة ستجول في الخاطر لن ندري أجوبتها إلى حين زوال الحجر بعد أن يتصرف كل حاكم بما عزم عليه وكل محكوم بما ألزم به. هي أسئلة جعلني الحجر أطرحها فربما شغلتك مثلما شغلتني، أهمها: هل سيعاد ترتيب المجتمع ليتبوّأ التعليم والصحة وأهلهما أعلى المراتب وميادينهما جل الاهتمام؟ هل ستكون لأمتنا نهضة إذا استثمروا في الإنسان؟ هل سينقص التافهون والمغنيون والمشاهير من لا مهنة ولا انجاز لهم؟ هل سيعاد النظر في الإبداع ولا يبقى غناء ووجها حسنا وجسما مثيرا؟ وهل سيكرم من ضحوا طول عمرهم أم هي موجة تكريم ستطالهم إثر صيحة تنتهي؟ هل سيستفيد الحاكم من السلطات للتضييق أكثر وتوجيه الجمهور أكثر؟ هل سيبقى الحاكم هو المال أم من يملك المعرفة ويصنع الأدوية؟ بعد هذه التموكبات والتفككات، من سيقود ومن سيقتاد ومن سيباد وكيف ستتغير الخريطة ؟ وهل هناك تقدم أم ما نعيشه تأخر فقط ما دمنا كلنا في ورطة وفخ نعجز عن الخروج منه، ولكن ما نحن متأكدون منه أن الخلوة ستزيل الرق من نفسك وستبصر الرقيق حولك، وما نحن غير موقينين به ما ينتظر الإنسانية، هل سترقى؟ سيرقى بها أم ستراق دماؤها؟ الأهم ستتغير الخريطة، فغير خريطتك واعرف وجهتك قبل أن تزين هياكلنا واجهتهم، واستعد لمواجهة الأصعب فإن ربحت معركتك مع نفسك فلتقم قيامتهم.