ولادة جديدة في زمن الكورونا

112

منذ أن أنعم الله علينا بالحياة ونحن في صراع دائم مع أنفسنا، للبحث عن هاته الحياة، التي افتقدنا لذة عيشها بسبب تهافتنا على ملذاتها واتباع مغرياتها التي أنستنا معناها الحقيقي، معنى أن تعيش في سلام داخلي، أن تحيا في تصالح مع الذات وأن تشكر الله على كل ما تنعم به من نعم، ولو بدت لك عادية وبسيطة ولا تلق لها بالا، لكن لم تكن تدري حينها أنه قد يأتي يوم من الأيام ستكون هي الطلب الوحيد الذي ستظل تدعو الخالق أن يمنحك إياه، لأنك لم تكن تعلم أن قيمتها تكمن في فقدانها. ولعل السبب في نزول أبينا ٱدم وأمنا حواء إلى هذا الكوكب، بالإضافة لإغراءات الشيطان، هي تلك النفس الطاغية وأهواؤها التي استطاعت نيل ما تريد فأودت بهم إلى فقدان الكثير من النعم. لحظة إغراء واحدة كانت الحاسمة في جعلهم يدفعون ثمنها سنين عديدة، مع أن فقدان الجنة لا ثمن له.

وها قد أتى دورنا نحن الخلف لنعيد الكرة من جديد، الخلف الذي أغرته الدنيا بكل ما فيها من مال وجاه وسلطة… انتزعت منه الطمأنينة والسكون، جعلته عبدها الذي لا يستطيع الحياة دونها، استطاعت إبعاده عمن أوجده واستخلفه لأجل تأدية مهمة خلق لأجلها، وكيف يقاوم وهو الذي لطالما برر لتلك النفس بضعفها وقلة حيلته، وعدم قدرته على مجابهتها، مع أنها تبريرات خالية الوفاض تستأنس بها النفس لأجل قضاء ملذاتها.

لكن هنا ستكون نقطة الفصل، نقطة الانعطاف التي ستقلب الموازين يوم سيرسل الخالق إنذارا وتنبيها بالتصدي لهاته النفس المهلكة، وكان الإنذار عبارة عن كائن مجهري لا يكاد يرى، أصاب العالم بأسره ولم يفرق بين أوروبا ولا ٱسيا، ولا بين الغني والفقير…فالكل نال نصيبه من هذا الابتلاء المدعو بفيروس كورونا أو ما يطلق عليه بالكوفيد – 19، ولا داع لتعريفه علميا فقد تم التطرق لذلك في الكثير من المقالات والندوات والنشرات الإخبارية.

مقالات مرتبطة

حقا فقد أعطى هذا الفيروس درسا للبشرية جمعاء وبدون استثناء، جعلنا نعلم مدى قيمة الأشياء والنعم التي اعتبرناها عادية والكل يمتلكها، جعلنا نعلم معنى أن تكون حرا، معنى أن تسمع أذان النداء للصلاة وقلبك ينفطر ألما، لكن ما باليد حيلة، ومن أسف، هلاكك قد يكون حتى في الذهاب لبيت الله.

كما أنهه منحنا فرصة كبيرة لأجل الالتفات لأهم ما ترتقي الشعوب بفضله وتنمو وتزدهر، السلاح الذي هو نور كل عقل ومفتاح كل الحضارات، نعم، إنه العلم الذي غفلنا وتغاضينا عنه ولم نعرف قيمته ودوره إلا بعدما علقنا في القعر، وصدق الكاتب المصري القدير جلال عامر حين قال: “سوف تعبر هذه المحنة عندما تصبح مدرجات الجامعة أهم من مدرجات الكرة، ومعامل البحث العلمي أهم من مكاتب البحث الجنائي، وعندما نعرف أن أسوء ما في الأمة هو الأمية.” في حين لا يجب أن نغض البصر أيضا عن أجمل صفة استخرجتها هاته الجائحة من أعماقنا والتي أبانت عن صدق مقولة: “في الاتحاد قوة وفي الفرقة ضعف”، وكذا قول خير الخلق حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) وشبك النبي أصابعه (رواه البخاري). وهذا إن دل فقد يدل على مدى أهمية الاتحاد والتعاون والعمل الجماعي الذي بفضله تتحقق الأهداف العظيمة السامية. كما أن الحديث يطول عن أندر ما جعلته هاته الأزمة ينبثق من داخلنا ويخرج لأرض الوجود فيغدو سبيلا جديدا نتخذه لأجل تحقيق الذات والوصول لأرقى معاني الحياة.

إلى هنا أخلص وأقول وأنا على علم ويقين تام بأننا سننتصر مهما طال الأمد، سنتجرع من هذا الداء دواءه وسنعي ماهية وجودنا كما أنه لن يزهق أرواحا فقط، بل سيحيي أخرى، وبه ستكون نجاتنا وسنحيا ونولد من جديد.