يوم الطين، أو عندما يحب رجل زوجته، فيجعل من حبه يوما خالدا في التاريخ.

20

جاء في كتب التاريخ، أن المعتمدَ بن عباد آخر ملوك بني عباد، لما تزوج اعتماداً الرميكية كان يحبها حباً شديداً، وكان لا يرفض لها طلبا، ولا يردُ لها رغبة ولا أمراَ، كانت اعتمادٌ هاتهِ قبل زواجها أمة عند الرّميك بن حجاج، فاستقر حبها في قلب أمير بني عباد فتزوجها وصارت أميرة من أميرات الأندلس، وملّخص قصةِ يومِ الطين، أن اعتماداً وبناتها كنّ يلعبنَ في فناء القصر فرغبت أمهّن الأميرة في استحضار وتذكر أيام كانت جارية، فلم يكن منها إلا أن طلبت بلا تردد من زوجها أن يحضر لها من الملابس والقراب والتراب والماء ما يوفر ظروف بيع اللبن في أزقة الأندلس، فرفض المعتمد خشية أن يراها خدم القصر فستقط هيبتها وهيبته، فأصرت عليه ثم خضع لرغبتها وكان لها ما أرادت ولكن بشروط الملك:

لقد أحضر يومها المعتمدُ بدل الطين مِسكاً وبدل اللباس الوضيع حريراً وبدل الأحجار وردا وياسميناً، وأطلق الخدم عجين المسك والورد هذا في فناء القصر وجعلت بناته وأمهن يمشين فيه ويصرخن: لبنٌ لبن، لبنٌ لبن، وهو ينظرُ إليهن رحمه الله من شرفته ويتبسّم حبا.

ثم مرت الأيام وجارتِ الدنيا على ممالك الأندلس واشتدت عليها الحملات الصليبية، وكان ما كان من السياق التاريخي المعروف واستنصر المعتمد بيوسف بن تاشفين ملك المغرب فنصره وأيده بجيش ألحق الخسارة بالصليبيين، ونزع ابن تاشفين الملك من المعتمد ونفاه إلى أغمات وحول عيشة الملك والأميرات إلى عيشة العبيد والإماء والمماليك، وجارت الدنيا على المعتمد وزوجته وبناته، حتى صارت بناته خادمات عند أمراء المرابطين ينسجن ويكنسن ويخدمن ويرعين، والأيام تمر، وتذبل روح الملك في جسد المعتمد وتقسو عليه الدنيا يوماً بعد يوم ويشتد عليه تقلّب حاله وحال بناته وزوجته، ويصعب عليه أن يستسيغ في كل مرة ما يكون بين الزوج وزوجته من جدال ونقاش؛ خصوصا إن كان فيه ما يقسو على روح أحبت وعشقت، ويذكر التاريخ أنه في يوم ما وفي خصام شديد بينهما خرج من فم اعتماد ما يفهم المعتمد منه أنها لم تر قطَ يوما أبيضَ مع المعتمد، وهو ما كان له وقع شديد في نفسه حتى إنه صمت كثيرا وأجاب: ولا يوم الطين يا اعتماد؟ ولا يوم الطين؟ وينقل في كتب التاريخ أن المرض اشتد عليه بعدها ومات ودفن بأغمات وكتب على قبره: قبر الغريب سقاك الرائح الغادي، حقا ظفرت بأشلاء بن عبادِ. انتهت قصة يوم الطين.

الشاهد من هاته القصة ليسَ تاريخية أحداثها أو علاقة الأندلس بدولة المرابطين وما شاب ذلك من ظلم كبير لأهل الأندلس وملوكها وأعيانها، ولكن الحكمة منها أن الرجال كما النساء يذكرون تفاصيل الأحداث الجميلة، ويحفظون الذكريات ويدسون الصور الجميلة المشتركة في دواليب الروح معطرة بعطر الأمكنة ونسيم المواقف.

مقالات مرتبطة

إن الرجال لا يختلفون عن النساء، هم عاطفيون أيضاً يجرحهم الموقف ويفنيهم الجرح، ويوقد نارهم الكلام الجارح الذي يخرج من فم الأحباب، قد يكون بغير قصد، لكنه يتعبهم أيضاً وإن كانوا ملوكاً.

الرجال أيضاً يتساوون مع النساء في حفظ الجميل وتذكر الفضل المشترك المخلد في الذكريات والإمعان في التدقيق في كل شيء جميل مر، والحنين إلى أشياء مضت ولن تعود. الرجال يتقنون ذلك أيضاً كما يتقنون استرجاع موقف بسيط مر لسنوات ليجعلوا منه يوما خالداً يذكره الناس زمنا وراء زمن.

فلا تظنوا أن الرجال لا يحبون كما النساء، أو أنهم قساة وقلوبهم صلبة، إنهم يقدرون إذا أحبوا أن يحولوا التربة إلى مسك والحجر إلى ورد، والجرح إلى تذكرة بالجميل المشترك، الجميل الذي لا يفنى… ولا ينسَى، تماما كيومِ الطين.