الرسالة الأولى.. وربما الأخيرة.. من يدري !

0 992

شيء ما بداخلي كان يهتز بشدة؛ قلبي كان به شيء من إيمان ان أحداثا جميلة وأشخاصاً ينتظرون قدومي؛
أذكُــر كيف كان الطريق يبدو طويلا جدا لمنطقة لا أعرف لها موضعا في الخريطة ؛ لمنْطقة منفية جدا؛ كلما كنْتُ أعتقد أني وصلتُ للمنطقة المعلومة تراجع الحدسُ لينبئَني بمسافة زائدة أخرى؛ جبل تلو الآخر؛ وطريق فرعية بعدها أخرى أقسى وأوعر وأنا التي حملتُ دماء جنوبية قادرة على تحمل وعثاء السفر أحسست بالوهن ؛ لا غرابة الآن أن أتذكر ما قاله لي السائق حينذاك : ” أخشى أننا سالكون الطريق الخطأ؛ وربما فاجأنا البوليساريو هُنا وأخذونا “..

كان مُخطئا؛ نحنُ ما سلكنا إلا الطريق الصحيحة؛ الصحيحة تماما؛ لم أكن اعرف أحدا هناك؛ لكن شعرتُ يومها أنني أزور أحدا أعرفه؛ لا أستطيع تفسير الحالة التي راودتني؛ لكن في كل اتصال بالأستاذة التي كانتْ تشير علي بالطريق من الهاتف؛ كان الإضطراب يتلاشى والشوق يزداد وبعض مما في صدري يخبرني عظمة ما أنا ذاهبة إليه حبا وخوفا وشغفا ..

” يا الله.. أنا مقبلة على أن أكون معلّمة ” هكذا كان صياحي الداخلي؛ خاصة وأن هذا القدر الجميل جاء على كبر؛ من بعد أن طرقتُ باب الوظيفة مئاتاً ؛ جاء متأخرا كما يجيء مطر متأخر ؛ فكانتْ الفرحة مضاعفة؛ لأنّ هذا القدر جاء في عمر بعيد عن طيش الّصبا؛ ربّما لذلك كان الحرصُ أبلغ؛ لأن النّضج يخلق لدينا حالة من المسؤولية تجعلُك تتساءلين كل ليلة : ” ماذا أنا فاعلة غدا ؟ كيف السبيل لتقريب مفهوم؛ لزرع أدب ولغرس فسيلة الغد التي ستكبر لتبني وطناً ؟ ”




قبل هذا اليوم ؛ ما كنْت ربّما أعي ما يعني الوطن ؛ لكنني فجأة سرتُ أحمل هم عائلة ووطن.. كان السّند بعض ما ادخرتُه في صدري من الشّغف وحب قليل لمثل هذا اليوم ..!

وصلتُ المدرسة؛ بلا أسوار؛ بلا مقاعد توحي بأنها مدرسة ؟ بلا سبورات لا تختلط فيها نقط الحروف بتشوهات الخشب ؟ ربّما كل ما يمكنه أن يوحي بالبُـؤس؛ ذلك مما لم أجدهُ بنفسي ولا أجدُه للآن..
ثمّ من قالَ أن هذه الأشياء تشكل مدرسة ؟
لكن بلا أسرة أيضا تشترك الهم ؛ هذا كان مدعاة لألم خفي ؛ سرعان ما عوضه الله بأناس أسندت حلمي عليهم وبعض التعب ؛ قد يكون إنسانٌ واحد يدعم مرور النّور عبر شق صغير أفضل من مئة يدعون إلى المبيت في الظلام بلا وجهِ حلُم..

ربّما بكيتُ أول ما وصلتُ ؛ لكن مرد الدمع كانَ وجود جو من الإنفصال العائلي هنا داخل حرم المدرسة ؛ بكيتُ حرقة لأن هذه الظروف القاسية تستحقّ أن نقابلها نحن المربين بلهجة حب حتّى تلين ؛ فكيف إذا اجتمع البؤسان ؟؟

كنتُ امام خيّاران ؛ إما القطيعة مع أمنياتي الكبيرة وأصير إلى ندب الظروف ؛ إما ان أمضي لا ألتف حتّى أبلغ شيئا يقضّ بيت أحلامي الليلية كل يوم ؛ هنا كان الصوت الداخلي سنداً لا يمكنُ أن أنسى اتكائي عليه يعلو أن لا تتوقفي عن الحلم ؛ لا يغرنك الظاهر ؛ كنوز الحكمة في الأعماق دائما ..

وهكذا كان ؛ اخترتُ ألا أقتل لمسة العطاء بداخلي ؛ ألا اكثرت لأوحال السياسة لأني لم أحسن يوما السّباحة فيها ؛ اخترتُ أن اتبع سيرة مُعَلِّميّ الأول عساني يوما أنالُ بهم شفاعة ؛ عساني لا أحيد فأشقى ؛ كان المعلّم الأول يذكرني بما قاله للمشركين ” من يعلم عشرة من المسلمين الكتابة والقراءة يُعتق ” ؛ هل لعابر المهنة أن يمر على رسالة الحبيب ولا يأخذها بقوة..




بين هذه الجبال جداول رقراقة وعطاء قد لا يسهل العثور عليهما كما نعثر على وردة يانعة في حقول الياسمين؛ كنزٌ عظيم؛ لكنه مخبوء في حكايا الصبية وأحاديث الجدات وتجـاعيد شجرة الأركان ولمسة شفاء من أحدهم تبث لهكذا مواطن..
على الرغم من كل تعب قد ينال ممن يرجو ألا يكون معلما برقم تأجير فقط ؛ كنتُ خلال الرحلة هذه أحس أن شيئا جميلا ما يقودني إلى هناك.. مراد الله كان البوصلة الأولى..

لم أكن لأدرك قبل ذلك اليوم الذي وضعتُ فيه قلبي وأغراضي هنا أن خلف الجبال حياة من نوع آخر؛ بإمكانها أن تتشكـل كما يتشكل جنين ببطن أمه بكامل الحب ؛ حياة بإمكانها أن تقودك حيثُ لم تتخيل يوما ؛ حياة بإمكانها أن تهب للقلب الكثير من الأنس بالله والسعي في رسالته بكامل الشغف..

لم أكن لأتخيل أن الأماكن مجرد وعاء يحتوي أحلامنا؛ متى صلحت صلح المكان كله؛ فاحتفل بنسمة الربيع ومطر الشتا وحر المصيف وهبت رياح العابرين تطمئن السالكين في مقاماتهم؛ ثم متى أقفر القلب كان كل ما حوله صحراء..

هنا؛ وإن كانت رحلتها حديثة عهد بإيمانها بما تفعله؛ ما زالت هذه المعلمة تعيش بذات العشق؛ تبدد ما يمكن أن يحول دونها ودون نفسيتها العاشقة للأمل؛ ترتاد كل يوم تجربة جديدة؛ تهيء كل يوم احتضاناً أموميا لأطفال بعمر الحب والأمل..

تعلمتْ هذه العابرة هنا أن تكتشف أشياء صغيرة في محيطها ؛ ان تصنع ما يكبر بداخل أطفالها؛ أن تجعل مما أرادها الله فيه كهف الأمنيّات الكُبرى : الوطن؛ الجنة؛ الرضى..

فيا أيها المعلم القادم من زمنِ الرسّائل العظيمة؛ منْ أخبرك عن اليأس في هذه المهنة فقد جرج فطرتك الأولى؛ لانها مُجبلة على حب البساطة والعطاء والبذل في كل التفاصيل؛ أشياء كثيرة في هذه المنافي تجعل المرء يشعر بضآلة كل شيء إلا أن يعبُـر ليس في أثره بسمة سقاها لأحد كان يرى فيه الغيث القادم من وراء الحُجب..