يا أبا الحسل!

0 1٬472

زعموا أنَّ الأرنب التقطت ثمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا إلى الضب يختصمان. فقالت الأرنب: يا أبا الحسل! فقال: سميعا دعوت. قالت: أتيناك نختصم إليك فأخرج إلينا. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت: إني وجدت ثمرة. قال: حلوة فكليها. فقالت: فاختلسها مني الثعلب. قال: لنفسه سعى. قالت: فلطمته. قال: بحقك أخذت. قالت فلطمني. قال: حر انتصر. قالت: فاقض بيننا! قال: قد قضيت!

حكى لي الوالد هذه القصة و أنا صغير. و شرح لي ما فيها و ما دار بين الأرنب و الثعلب و الضب القاضي. شدت ذهني و جعلتني أفكر و أحاول أن أتخذ موقفا. فإذا أنا كنت مع الأرنب فإني سأكون ضد الثعلب و القاضي الضب. و إذا احترمت موقف القاضي يكون الثعلب على صواب و يكون انتزاع ما بيد الغير بالقوة جائزا.

186_3

أثار مخيلتي ذهاب الأرنب و الثعلب إلى القاضي. و قبول الثعلب بالإحتكام إلى الضب مع ما في ذلك من استسلام لا يعهد بالضب المراوغ. و القصة تحدثنا عن فعل الثعلب و لكننا لا نسمع صوته. فهو، على ما يبدو، يفضل الفعل على القول.
القصة مرصعة بالأمثال. فكل كلام الضب القاضي صار أمثالا سائرة. و كل منها يعبر عن موقف عميق.
“سميعا دعوت” يقال لبيان أنك منتبه إلى مخاطبك مصغ له و حاضر معه.
“في بيته يؤتى الحكم” موافقة لقاعدة أن القاضي يؤتى إليه و لا يأتي إلى أحد. فذلك من توقير القاضي و التسليم لحكمه.
“حلوة فكليها” يقال لمن وجد لقطة. فالأحوط أن يعجل الإستفادة منها.
“لنفسه سعى” فلا يلام من أراد تحقيق الخير لنفسه. و هو يصلح لتبرير تجاوز شخص لمصالح آخرين في سعيه لتحقيق مصلحة ذاتية.
“بحقك أخذت” فلا لوم على من رد عن نفسه و دافع عن ماله أو نال ممن نال منه.
“حر انتصر” و هذا كان ديدن العرب. و هو مشاهد اليوم في انتصار القوي من الأفراد و من الأمم و لو كانت المبتدئة بالظلم.
“قد قضيت” حديث الضب مختصر سريع موافق للموقف.

rabbit-print_trio_600
الضب لم يقض القضاء الذي يمكن أن يروقنا. و متى كان القضاء يأتي بما نتمنى و نرجو. بل جاء حكمه براغماتيا عمليا ينهي قضية منتهية، و يتناسق مع قانون الغابة حيث لا أحد يدعي امتلاك “بيان بحقوق الحيوان”.
هذه القصة و غيرها من عشرات قصص و أساطير العرب التي تأتي على لسان الحيوان تفتح الذهن و تمتع القارئ سواء كان من الصغار أو الكبار. فهي قصص لم يقل أحد من كتاب الأدب إنها خاصة بالصغار.
و أمثال العرب منابع من الحكمة التي تقدم في صيغة جميلة لغويا. سهلة الحفظ. و مصحوبة بقصة قوية ترسخ معنى المثل و تبينه. و قد جمع الكتاب أمثال العرب في عدد من الكتب و شرحوها. و من أفضل المتوفر في هذا المجال “مجمع الأمثال” للميداني. و به آلاف الأمثال مرتبة على حروف الهجاء و مشروحة.
و قد وضعت هذا الكتاب قريبا مني في البيت. و كنت أنظر فيه من حين لآخر سنين عديدة. و أفاجأ دائما بأن رصيد الأمثال لم ينته. و أن الكتاب، و هو في مجلد واحد، ما زال يصدمني بقصص و معاني جديدة. أو يجدد لي الصدمة و الدهشة مرة بعد أخرى.
في أمثال العرب تربية على سعة الأفق و قيم المروءة و الشهامة و الشجاعة و فيها أيضا ما يبرر المكر و اللؤم و الجبن. فالعرب لم تترك شيئا إلا حسنته و لم تترك شيئا إلا قبحته.

و الآن هل يمكن أن تعيد لنا قصة الأرنب و الثعلب و الضب فهي مما يحفظ من سماع واحد؟