أيتها الروح، أين أنت؟

1 1٬247

قد نجد أنفسنا نستعمل بعض المصطلحات والمفاهيم على أنها مرادفات غير أن لكل منها شحنته وقوته ومجاله ومعناه. قد عرضت علي بعض هاته المفاهيم من خلال تساؤلات في بعض الورشات عن التأمل (meditation) و التنمية البشرية . استعصى علي بداية فحصها وتمحيصها، فجاء هذا النص إذن محاولة لفرزها ووضع كل منها في سلته الفكرية و الفلسفية المناسبة ليستأنس بعد ذلك الفرد باستعمالها و الأخد بها في محلها.

ليس الغرض هنا الدخول في ماهية المفهوم تحديدا بل محاولة حصره كمفهوم في بعده التاريخي والديني والسوسيوثقافي وبغية إتقان استعماله ووضعه . هذه المفاهيم لا يمكن شرحها بمجرد فتح المنجد أو حلّها في سياق معين و إنما تتوخى منا البحت في جذور الكلمات و أصولها و كذلك الغوص في معانيها على حسب الموروثات الثقافية و الدينية التي تبلورت فيها .و من بينها الروح و النفس والعقل والفكر والوعي.
بداية بالروح ـ سبيريت Spirit بالمعنى الاغريقي تعني نفَس أو تنفس. أي أساس الحياة. ومنها نعي أن كل ما هو حي فهو كائن له نفَس (Souffle) . قد نستنبط من هذا لماذا جاء في قوله تعالى: ونفخ فيه من روحه . و جاءت سبيريت (Spirit) من سبيريتوس (Spiritus) و هي تعني الحياة. بين الكلمة و معناها الآني و بين هذا المعني و معنى جذورها في تاريخ معين تطور و تحول.Mutation سيأخد فيما بعد معنى هذه الكلمة كل ما هو روحي أي ما هو غير مادي. وفي أشكال أخرى سيتم تفنيد هذه المفاهيم من خلال ثنائيات ما بين المادة و النفس. ثم بين المادة و الجسد ثم بين الجسد والروح على أساس أن الروح تتسم بالعقل و الشعور ، ثم بين الجسد و النفس. ما الذي يفرق بين ما هو نفسي و روحي و روحاني و جسدي؟ و إلى أي حد يصير الروحاني مادي و المادي روحانيا؟
بعد ثنائية المادة و النفس في الحضارة الإغريقية سنرى ثنائية الروح و الجسد في مرحلة سيادة الأديان. في هذه المرحلة التاريخية ستتطور فكرة خصائص الحياة والتي تتمثل في النمو و التكاثر و الحركة… و أن المادة لا تتوفر أساسا على هاته الخصائص. فالمادة إذن جامدة (inerte) على عكس الجسد! رغم ذلك سيأخد الجسد أي لحم الانسان معنى تحقيري وازدرائي. يقول أفلاطون أن الجسد هو سجن النفس. وأنه من الدناسة ما قد يستوجب تنظيفه و تنقيته باستمرار. ومن هذا يأتي معنى تطهير الجسد في الشعائرالدينية من خلال الوضوء عند المسلمين و المباركة عند المسيحين.

رغم أن هذه الممارسات تكتسي طابعا ماديا إلا أنها تتسم جانب رمزي وبالتالي تتخد دلالت روحية.

opening-the-chakras-meditation-laura-iverson
و من هذا يمكننا قراءة الإشكال السابق الذكر من وجهين: من جهة أن الجسد له دور ثانوي و دلالة رمزية فقط وبالتالي لا يهمنا إن كان طاهرا أو غير ذلك. و هذا ما يؤكده أفلاطون من خلال محاولة تحرير النفس من الجسد. من جهة أخرى أن للجسد و الحركية مفعول روحاني. أي أن للجسد صدى على الحياة الروحية وبذلك يتم الإعتراف البيني بأن الحياة الروحية.
عند ظهور علوم جديدة في القرن السابع عشر ومن خلال الفلسفة الحديثة عند ديكارت سيتم استبعاد الطابع الروحي في دراسة الطبيعة. سبق هذا التطور اعتبار أن الطبيعة خاضعة لقوة غيبية تؤثر على ما هو مادي. إذن سيقوم علم الطبيعة في الفلسفة الحديثة على فصل كل ما هو مادي (Physique) على ما هو ميتافيزيقي. و هذا لا يعني في حد ذاته إنكارا للطابع الروحاني بل الفصل فقط.
و بهذا أصبح فهم الطبيعة يتم عبر دراسة الأسباب و المسببات والعلاقة بين مختلف المكونات .يقول غليلي: الطبيعة تتكلم مثلثات و مربعات. و في هذا تأكيد على أن النفس لا تخضع لمفهوم المادية .عند ظهور علم الفلك سيخرج بنا من عالم التنجيم و ندخل إلى دراسة رياضية للقوانين الكونية. أسترولوجي و أسترونومي. Astrology vs Astronomy سيظهر علم البيولوجيا و علم الاجتماع في القرن التاسع عشر. ثم علم النفس في أواخر نفس القرن.
انطلاقا من هاته الحقبة التاريخية أصبح ممكنا شرح ما هو نفسي عن طريق ما هو مادي من خلال دراسة الخلايا و الجهاز العصبي وأيضا دراسة علم اجتماع الأديان. استوجب التذكير هنا أيضا على أن الغرض لي نفي طرف و تفضيل آخر و إنما فصلا و إعطاء اللأسبقية.

The-Fountain-HD-Wallpapers-5

مقالات مرتبطة

ذاكرة الماء..

التعليم التفاعلي..

هناك مثال المريض الذي يعاني من مرض جلدي. عندما ذهب عند الطبيب الأول سأله عن الصلاة. فأخبره المريض على أنه لا يصلي ثم رجح الطبيب مرضه إلى أنه لا يصلي و نصحه بعدم ترك الصلاة و الدعاء و بذلك سيزول مرضه. و عندما ذهب المريض عند الطبيب الثاني بدأ يسأله عن عاداته اليومية و عن طبيعة عمله و عن مدى تعرضه للشمس و عن نظام الأكل الذي يتبعه. ثم أجرى له بعض الفحوصات و حرر له بعض الأدوية ناصحة إياه عدم التعرض إلى الشمس لمدة معينة و وصف له نظام أكل معين ثم طلب منه أن يعود لعيادته بعض أسابيع. و ختاما دعا له بالشفاء العاجل.
وحده الطبيب الثاني يفهم مفهوم الفصل بين الوجهين الروحاني و المادي. لكننا قد نجد أن بعض العلماء أو مناصري النهضة العلمية يكرسون هذا الفصل لإنكار الجانب الروحي أو مهاجمة الديانات.
هذه المفاهيم يصعب فهمها و استعابها دون وضعها في موقفها التاريخي و الثقافي. فهناك اختلاف في المفاهيم بين أسطورية الإغريق و الحياة النفسية عند ديكارت و مفهوم الحركية عند هيجل .
قبل الميلاد كان مفهوم أريستو (Anima) ، و منها كلمة (Ame) الروح ، التي تنبني على مفهوم أن أي متحرك في الإنسان فهو منه. و أن كل كائن ينطوي على قوة داخلية تغيره.
أما انطلاقا من ظهور علوم الفيزياء مع غليلي و مفهوم العطالة أتت فكرة أن الكائن لا يتحرك، أي لا تنطبق عليه خصائص الحياة كما سبق الذكر، إلا إذا خضع لتفاعل خارجي. فيتم إدراك العلاقة بين التغيرات و سن القوانين الفيزيائية من خلال دراسة الثابت بين المتغيرات.
ثم مر الإنسان إلا دراسة التفاعلات أو المتغيرات الداخلية ابتداءا من القرن التاسع عشر من خلال علم الإجتماع و علم النفس.  أما عند بداية القرن العشرين، جاءت فلسفة الفينومينولوجيا و التي تنفي وجود هذه الثنائيات و تتعامل معها كوحدة يندمج فيها النفسي و الجسدي و كعملة واحدة ذات وجهين. فلا يمكن الفصل بينهما كالفصل بين الربان و الطائرة بل إنهما في علاقة متشابكة ومتلاحمة. قد يستطيع الربان التحكم في طائرته لكنه لا يستطيع الإحساس بها كاحساسه بالعطش أو الخوف أو العطف. إن طريقة إدراك النفس و إدراك الغير إذن تتم بشمولية واضحة فلا نستطيع الفصل بين انكماشة وجه و التوتر و بين ابتسامته و احساسه بالانشراح. لا نعزل إذن ظاهرية الجسد من باطنية النفس.

5souls

إن الإنسان ليس روحا مفصولة عن الجسد وليس جسدا مفصولا عن الروح ، بل إنه روح متجسد 

فإذن يمكننا أن نقول أن إيجاد الفرق بين هاته المفاهيم: الروح، الجسد، النفس إلخ يكمن في تحديد الزمكان الذي نضع أنفسنا فيه والفلسفة التي نتخدها مرجعا أساسيا حسب منظورنا الثقافي و الديني و العقائدي و الجغرافي. في خضم النقاشات التي قد نخوضها مع بعضنا البعض لا يسعنا إلا أن نحدد الثابت وسط المتغيرات التي تحكمنا لكي نجد سبيلا للمشاركة والتفاهم و نبسط أرضية مشتركة للحوار والرقي. رغم كل هذا فالنقاش متواصل و المسألة خاضعة لتعقيدات أكثر من خلال تطور علم الجينات و ظهور الأجساد المعدلة و كذلك البحوث السائرة نحو جعل الإنسان كائنا دائم الحياة.