نقطة نظام

0 538

في آخر زيارة لي إلى معرض الكتاب الدولي في البيضاء، شدني أحد العناوين شدا، لكاتب لم أعرفه قبلا، لكنني لم أستطع مقاومة الجاذبية التي فعلت فعلها، فرُحت أتصفح الكتاب بنهم شديد، وأتذوق عذوبة فهرسه بدءا وبعضا من مقاطعه. ذاك الكتاب كان عنوانه “إدارة الصلاة“. الكتاب ببساطة يهدف إلى دعوتنا إلى إعادة النظر ومن ثم إعادة الاعتبار في الدُقيقات التي نقضيها في حضرة المولى، وجعلها ذات معنى، لتُترجم حقيقة علاقة العبدية التي يجب أن تربط الإنسان بربه، ذاك الإنسان العبد المستسلم طواعية بإله يُفترض أن يذوب في ولهه وحبه وعبادته. مثل هذه الأمور التي تعني بصفة مباشرة حقيقة وماهية وجود سلالة بني البشر على وجه البسيطة أصبحت تشكل حيزا كبيرا من تفكير الأنا، وحينها تساءلت: ماذا عن إدارة الإنسان؟

لست أقصد حتما بإدارة الإنسان ما هو متعارف عليه في أدبيات تدبير الموارد البشرية، لكن ما أعنيه هي تلك الوقفة الدورية التي قد تكون سنوية، والتي تدخل في خلوة مع الذات تحدثها وترسم لها طريق سيرها إلى ربها، فتضع لها أهدافها، كل أهدافها دنيوية ودينية، وتجعلها مرتبطة بمحور واحد هو الله. هذا الربط يجعلك حتما لا تقوم بعمل إلا بعدما تسأل عن ماهيته ومقصده، فليس هناك في ديننا شيء اسمه طقوس، ولم يأمرنا الله أمرا أو ينهانا نهيا إلا بحكمة نعيش لسبر أغوارها والبحث عنها. نعم، هذا الكائن البشري الذي خُلق لأهداف عظيمة يستحق وقفة إعادة النظر في علاقته بربه، هذه العلاقة التي أصبحت للأسف موروثا ثقافيا نأخذه بشكل تلقائي عند ولادتنا بالاسم واللقب، ولا نُربى أبدا على فحصها تحت المجهر كي تكون مبنية على أسس قوية ومتينة، في إطار مقاصد وجودنا، فتصبح بذلك كل سكناتنا وحركاتنا ذات معنى…

searching-the-meaning-of-life-bliss-of-art

لا ينبغي أن يُفهم من كلامي أنها دعوة للخمول والانعزال والرجوع إلى الوراء، بل العكس تماما، هي دعوة لترشيد العطاء وإعطائه دفعة ومسارا صحيحين، وهذا لا يكون إلا بالفهم الصحيح لقيمنا ومراجعنا التي ضمرت وهي في حاجة لعملية بعث. أستحضر دوما في هذا الإطار إحدى المحاضرات التي جلست فيها بين يدي أحد أساتذة المغرب الكبار –الذين لا يظهرون على شاشات إعلامنا طبعا -وهو الأستاذ فريد شكري، حيث تطرق لشرح حديث « إذا مات ابن آدم.. »، وهو الحديث الذي يُستخرج دائما في الأجواء الجنائزية أو على حافة القبور، في حين هو من أحاديث بناء الحضارة :

 “فهو نص ينقلك بين عالم الأشياء وهو مجال التكافل الاجتماعي “صدقة جارية”، وعالم الأفكار وهو مجال الإنتاج المعرفي والفكري “علم يُنتفع به”، وعالم الأشخاص أو مجال التربية “ولد صالح يدعو له”

هذا الحديث أُفرغ من مقاصده العميقة التي ذكرها الأستاذ ومنها العلاقة الاطرادية بين إيمان الفرد وإنتاجه في الدنيا، فالعالم والمربي والمستثمر المالي هم عاملون في دنياهم لكن في نفس الوقت هم يعملون لآخرتهم، وهم في ذلك يخدمون المجتمع في علاقة رابح رابح بين الفردانية والمجتمع، كما أن هذا الحديث هو أبلغ نص على اعتراف الإسلام بغريزة الخلود الإنسانية التي لم يُلغها بل هذبها ورسم لها الطريق الصحيح لصرفها.

مثل هذه الإشارات واللحظات التي كنتُ شخصيا محظوظا لالتقاطها في مرحلة من العمر، تجعلك ترسم طريقا واضحا في السير إلى نهاية سعيدة، إلى مرحلة الخلود الأبدي الذي نصبو إليه، دون أن يكون هاجس الموت منغصا للعطاء في الدنيا، وتدعوك إلى إعادة استقراء النصوص كي تعود نورا ومنهجا، لا ثقلا ومطية لغلاة لا يفهمون مقاصد الدين فأنتجوا الداعشية وأخواتها. مثل هذا العمل الفكري هو من حق كل شخص، بل أكاد أقول إنه يؤول إلى فرض عين، شريطة اكتساب الآليات، فلا يصبح بذلك الاستنباط ملعبا لكل من هب ودب لنبش النصوص بالأهواء، فكما لا يُعقل أن يكون الطبيب طبيبا إلا باكتساب الخبرة والممارسة، فالأولى التعامل مع النصوص التي توصلك إلى الله وتوضح لك السبيل. الأكيد مع كل ذلك، وحتى إن اكتسبنا هذه الآليات أو بعضا منها، لا بد أن تكون طريقنا ملآى بالهفوات لأننا ببساطة خُلقنا هكذا حتى نبقى معلقين بباب الرجاء والخوف والعفو نقرعه دوما…

lamp_to_my_feet_light_to_my_path-1024x696

وبعد ذلك كله، لا ننسى أن “لي تلف يشد لرض” أو هكذا نصحني أستاذي منذ أكثر من 20 سنة، وهي نصيحة تُشد إليها الرحال، وتُسوى جلسات التأمل فيها..لم أنسها أبدا بل أذكره دوما بها. فما أكثر تلفاتنا وغفلاتنا. والتلف أشد تدميرا من النسيان وربما لهذا كان تعبير أجدادنا في هذا المثل بليغا..فما أجمل تلك اللحظات التي تهرع إلى قطع كل الاتصالات بالواقع اليومي، ونشد الارض أو هي التي ستشدنا، أرض الطين التي تعرفنا ونعرفها، نبوح لها بمكنوناتنا فتمدنا بأسرار الجلوس والشد فيها…نحتاج فعلا أكثر من أي وقت مضى إلى هاته اللحظات التي نفتقدها في خضم الألفة اليومية.

هذه أفكار تتبعها أخرى تترا أو قل نقطة نظام، ربما ذكرتها بعد أن بلغت عمرا بدأت فيه كثيرا من المراجعات، قد تساعدنا على طرح التساؤلات الصحيحة لمغزى وجودنا في هذه الحركة الدائمة التي تُدعى “الدنيا”…