الصورة الكاملة

0 616

يتطلع الإنسان منذ مقدمه إلى هذا العالم إلى محاربة الغموض ومكافحة كل أشكال العماء وفك شيفرات اللغز الكوني، حيث يأتي محملا بالكثير من الأسئلة والفضول المعرفي الجامح، ويكاد يكون حاله مع الوجود في بداية حياته كحال شخص يدخل غرفة مظلمة لأول مرة، يتحسس جدرانها ومواطئ قدميهفيها، يجرب هذا الشيء ويثير انتباهه ذاك، ويحاول معرفة ماهية الشيء الآخر. وباستثناء عقله الوهبي الغريزي الذي يرشده إلى المبادئ العامة لمنطق الوجود، فإنه يقبل على هذه الحياة من دون أفكار مسبقة ولا انطباعات ولا مشاعر ولا لغة، بل يأخذ شيئا فشيئا في اكتساب هذه الأشياء من خلال التفاعل مع محيطه الثقافي، فتتشكل لديه خارطة معرفية وصور ذهنية خاصة به عما يجري حوله، كما يتعلم من خلال هذه الثقافة، باعتبارها وسيطا معرفيا، تمييز الأشياء والقيم والأوضاع والحكم عليها، فيميز بين الآمن والخطر، والخير والشر، والجيد والسيء، والجائز والممنوع، والمهم وغير المهم… إنه مفطور على حب التساؤل وعلى الفضول وعلى التطلع للاكتشاف، والذي يظهر جليا لدى الصغار، وهم حديثوا عهد بالوجود، من خلال أسئلتهم الكثيرة التي يوجهونها للكبار، حتى يزود هذا الإنسان عقله بالمعلومات والمفاهيم والمعاني والأفكار والمعارف التي تعبد له طريق الحياة وتخرق له حجب المجهول، ولكم كانت إجابة الطفل الصغير، بطل فيلم « A Dennis the menace Christmas »، ذكية لما سأله جاره العجوز مغتاظا وقد تضايق بشدة من أسئلته الكثيرة: “لماذا أنت كثير الأسئلة؟”، فكان جوابه مفحما، قال: “لأنني لازلت بعد في الخامسة من العمري، وأمامي الكثير لأعرفه!”.

photo-1450849608880-6f787542c88a

 

إن عقولنا تكره الغموض وتكره الفوضى وتتضايق أمام الصور الضبابية والعائمة، فتسعى باستمرار لاستكمال الصور المنطبعة فيها عن الأشياء، لكن ذلك لا يكون دوما على النحو الصحيح الذي يعكس حقيقة الأمور، بل يتم في كثير من الأحيان على نحو عشوائي ومبتسر – فخط دائري غير متصل لا يبدو في نظر عقولنا إلا دائرة تامة مكتملة!- وهذه مشكلة العقل البشري، إنه يريد باستمرار أن يقنع نفسه بمعرفة قصة الأشياء كاملة بأي طريقة كانت، فتلك الفجوة التي تفصل تصوره للأشياء عن الصورة الكاملة تقلق راحته، وسيردمها بأي شيء كان، فإن لم يكن بحقائق علمية وأخبار يقينة، فالخيال الجامح سيقوم بالمهمة، وهذا أصل تشكل الأوهام والخرافات والشائعات. بالمقابل، فإن رؤيتنا للأشياء وتعاملنا معها يتم بناء على الصور العقلية التي شكلناها عنها، وهذه الصور هي نتاج مزيج من خبراتنا الشخصية والواقع الثقافي الذي نعايشه وإرهاصات خيالنا المنطلق. إن الخطورة في الأمر تكمن في كوننا لا ننفك أن نكون في تكويننا المعرفي والثقافي والنفسي والاجتماعي إلا انعاكسا لهذه الصور والانطباعات، بل إنها تحدد طبيعة وجودنا وطريقة عيشنا ككل، فنظرتنا للأشياء ليست في واقع الأمر سوى الاختزال المكثف لحقيقة ذواتنا، إذ على أساس نظرتنا هاته تنبني علاقاتنا بالأشياء، ومن خلال هذه العلاقات تتحدد طبيعة ذواتنا ونوعية وجودنا بشكل عام، حتى قالوا الشيء هبة علاقاته.

إن تعاملنا مع الواقع إذن ينبني على ما لدينا من صور ذهنية وانطباعات فكرية ونفسية عنه، وكلما كانت هذه الصور أكثر وضوحا وأكثر تماسكا، كلما كان تعاملنا مع الأمور أكثر ثقة وأكثر سدادا وأقل تكلفة.

ومن هنا فإن فعقولنا بحاجة ماسة إلى ما يسهل عليها إدراك الأشياء وتلمس الحقائق على نحو أفضل وعلى الخروج من منطقة الغموض والفوضى المعرفية والقبض على المساحة الأكبر من الصورة الكاملة، حتى تكون محاكمتها للأمور أكثر رشدا وأقرب إلى الصواب.

big_thumb_d907e5d5ee5f058e7bd408b82ee58735

حين يخطط المهندسون لبناء ناطحة سحاب مقاومة للزلازل أو جسر معلق يمكن أن يصمد في وجه العواصف والرياح العاتية، يعمدون بداية إلى محاكاتها بنماذج توضع تحت اختبار ظروف مشابهة للواقع. وعلى هذا النحو، يحصلون على صورة كاملة مسبقة عما يرغبون في الوصول إليه بالتحديد، ما يقلل من نسبة الأخطاء ويجنب العديد من المشكلات، كما يمَكن من اقتصاد حجم الوقت والجهد والإمكانات المستثمرة. على المستوى العقلي والفكري، يظل هذا المنهج فعالا في تملك التصورات الذهنية الصحيحة وفي فهم وتفسير الأشياء والشخصيات والسلوكيات والمواقف والحكم عليها، بل والتنبؤ بها وتحديد أسلوب التعامل معها وطرق معالجتها.

مقالات مرتبطة

لقد خلق الله- تعالى- الأشياء وجعل لها طبائع محددة، وجعلها خاضعة لسنن كونية ثابتة، كما خلق البشر وجعلهم على طبيعة فطرية واحدة، ما يجعلهم يقفون نفس المواقف العامة اتجاه الظروف والتحديات التي يواجهونها، وإن استيعاب هذا يتيح لنا إمكانية تشكيل نموذج من الأفكار والانطباعات والمشاعر حول الناس وحول الأشياء، ويمكننا من فهم الأحوال والمواقف المختلفة وتحصيل رؤية عميقة لحقيقة الأمور.

abstract-art-faces-wallpaper-2

إن سمات الإنسان المتكبر على سبيل المثال أو خصائص الإنسان العاطفي أو الإنسان الشكاك هي نفسها بشكل عام، وتشكل نموذجا قابلا للتوصيف والتحديد، وبالتالي يمكننا أن نحكم على المرء من خلال مقاربته بهذا النموذج، كما يمكننا أيضا أن نتوقع سلوكه ونحدد أسلوب التعامل المناسب معه. كما أن وضع الناس الذين يعيشون في بيئات ثقافية ونفسية واجتماعية سيئة ومتدهورة، أو بيئات جيدة بالمقابل،يكون هو نفسه على العموم، حيث تولد التحديات المتشابهة ردود أفعال متقاربة لدى الناس على نحو عام، فالمكان النظيف والهادئ أو الجو المعتدل أو الأسرة الجيدة أو المدرسة الممتازة على سبيل المثال تنتج نماذج من الناس أو الأبناء أو الطلبة متقاربة وبميزات وحالات نفسية وفكرية وسلوكية قابلة للتوصيف والتحديد، وهي مختلفة تماما عن تلك التي تتشكل في الأماكن الضيقة والمزدحمة أو الجو الحار أو تلك التي تنتجها الأسر المشتتة أو المدارس المتدنية المستوى. ذات الشيء يمكن أن يقال عن علاقة الإنسان بالمال بشكل عام، والذي قال فيه ربنا تعالى {وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا} ، وقال فيه النبي

صلى الله عليه وسلم “لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لابْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثًا، وَلا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ”، وكذلك شأن الإنسان عند الغلبة والتحكم، فهو ميال إلى الظلم والتسلط، وهو عند الضعف والفاقة والجهل عرضة للإذلال والاستغلال وأكثر تقبلا للمهانة، وهكذا. فيمكن بالتالي من خلال هذا صياغة نماذج منظمة ومعلومة تمنحنا صورة جلية عن حقيقة ما عليه الأمور.

0005425195_10

بيد أن هذا التمرين العقلي يحتاج إلى إثراء مخزوننا الثقافي بالمزيد من المفاهيم والمعاني والمعرفة بالطبائع والسنن والأحوال، كما يحتاج منا درجة جيدة من القدرة على التجزيء وعلى التركيب، وقدرة جيدة على الملاحظة الدقيقة وشحذا مستمرا للذهن والخيال، ومقامة الكسل الفكري، إذ من شأن الطبيعة البشرية أنها ميالة إلى السهل الواضح وإلى اقتصاد الجهد والابتعاد عن كل ما يستنفذ الطاقة في التفكير والتأمل، لكن ذلك لا يسمح للعقول بأن ترتقي وتتفتح بل تظل قاصرة وخاضعة لسلطان الأوهام والأهواء والخرافات، والتدريب وحده وإعمال الفكر والصبر على ذلك كفيل بجعل ثقتنا بأنفسنا عند التعامل مع الأشياء المبهمة والغامضة أكبر، وبمنحنا القدرة على استجلاء حقيقة ما عليه الأشياء.

هكذا يصبح تمرين صياغة وبلورة النماذج هذا بمثابة بوصلة معرفية نهتدي بها لفهم الواقع وأداة لترشيد حكمنا عليه. إذ يسهل مهمتنا في إدراك الحقائق والتعامل معها. كما أنه أداة فعالة لحماية عقولنا ومشاعرنا من الوقوع في فخ الإدعاءات المزيفة والمعلومات المغلوطة والرؤى المضللة، ويساعدنا على تلمس الطرق المسدودة. إنه الوسيلة المثلى لتملك الصورة الكاملة أو جزء كبير منها عن أنفسنا وعما يدور حولنا.