فلسفة الأمية

0 494

ستعود بك ذاكرتك إلى سنين خلت ، عندما كُنت تسمع عن أشياء غريبة ، عن معتقدات عديدة كان يرويها أجدادنا، بعضها صحيح و الآخر مغلوط. سوف تتذكر عندما كانت الجدة تقول أن “الشخص الذي تتحدث عنه ويأتي فجأة سيكون عمره طويلا”، أوقد تسمع عن قصص و عبر تتحدث عن أناس كانوا يقومون مقام فلاسفة المجتمع ب “ضريب المعاني” و الذين كانت تنسب إليهم صفة “البركة”.

عند الوهلة الأولى قد يكون هناك شك بداخلك .. “هل ما يقال صحيح ؟”، لكنك بعد مرور السنين ستتذكر هذه الأشياء و تسرح بابتسامتك الممزوجة بروح البراءة، براءة افتقدتها مع مرور الأيام حتى بدت لك أشياء لم تكن ضمن توقعاتك ، بل تمنيت لو أنك لم تعرفها .

hamsa_by_wizardofscozz-d5pkb0m

مقالات مرتبطة

ثورة الإنترنت

أفيون الشعوب

قد يتضح من خلال تأملنا لجوانب القضية أن أجدادنا و أجداد أجدادنا كانوا يعيشون في جو يعتمد بالدرجة الأولى على التجربة الدنيوية دون التمكن من العلم أو الدين أو المعرفة بصفة عامة، خصوصا و أن الفكر المغربي القديم لم يكن يؤمن بالعلوم . حيث كان الانطلاق من التجارب و التأمل في حركة الحياة وحده كفيلا بجعل ذاك العقل ينتج قناعات و أفكار يرثها جيل عن جيل.
إذا نظرنا من زاوية أخرى إلى القضية ، من منا لم يسمع كلمة “النيّة”؟ و هي كلمة تدل على البراءة الفكرية حسب قاموس أجدادنا ..عندما تريد أن تجادل أو تناقش أي شخص كبير في السن لابد أن يقول لك “هذاك الزمان زمان الغفلة و كانت النية” ، هذه العبارة التي تحمل في طياتها هول الصدمة . بل و إن صح القول هول التطور الذي واكبه ذاك الشخص . تطور لم يترك حتى أبسط الأشياء إلا و غيرها . حركة المجتمع تغيرت، عقلية البشر أصبحت منفتحة على العديد من الأشياء. الفكر ارتقى و تحرر .. الكل يبحث .. الكل يترقب .. بل و بلغة أبلغ “كل واحد حاضي راسوا” و كان الزواج يظل عائليا فيتزوج الأقارب و لا يسمع الرجل صوت المرأة حتى تدخل عليه ليلة الزواج ..و يفيد من عاشوا مع هذه الطقوس أنه كان يقال أن “سيدنا جبريل ينزل الستر على الأزواج”.

11866338_137510373254601_8297036604592714485_n

في ظل كل هذا ينبثق عامل آخر ساهم في ترسيخ العادات و التقاليد و هو الإيمان بسيرورة الحياة على نهج قار أو متكرر . فكانوا يثقون ثقة عمياء بأجيال خلت كانت تتناقل قصص تفيد “أن هناك شخصا ذو بركة أقاموا له ضريح بعد موته و كل موسم يقومون بحفلات و طقوس خاصة. في إحدى السنوات تم الغاء هذا الاحتفال فضربت المحاصيل و كان الانتاج الفلاحي قليل جدا مقارنة مع السنوات الفارطة”. الشيء الذي جعلهم يؤمنون بضرورة الطقوس الموسمية و بصحة بركة ذاك الفقيد بالرغم من أن لا هذا ولا ذاك كان سببا في حدوث الجفاف..
وفي رواية أخرى “كان هناك ضريح لسيدي بونحل و قد انبثق الاسم عن قصة تقول بأنه في يوم من الأيام، تم ربط الأبقار بقبر السيد و بعد عودة أصحاب الأبقار وجدوا الأبقار محاطين بخلايا نحل أتلفت جسد الأبقار” فأصبحوا يقومون كل عام بموسم لذاك الشخص. فمهما تطور الزمان، و مهما توالت الأيام و مهما زاد الوعي و العلم في الانتشار في أوساط مجتمعنا يظل الفكر التقليدي راسخا في أذهان أولئك الذين واكبوا تلك العادات، وسيظلون مؤمنين بصحة ما كان يفعل آباؤهم و أجدادهم حيث يظهر ذلك جليا بمجرد أن ترى في عيونهم ذلك الشغف و هم يحكون لك ما كان يجري في ذلك الوقت.
إنها قصص و عبر، قد تستنبط من وحي واقع كان يعيشه أجدادنا في الأمس القريب. واقع لم يعترف سوى بفلسفة الأمية و الجهل، صحيح ! لكن أيضا، لا يمكن إنكار أن البعض مما قيل شكل جسرا لربط الحياة بالواقع فأنتج لنا مفكرين و كتاب من ذاك العصر ، كل حسب درجة صواب تعامله مع المفاهيم و درجة ربط وعيه العلمي بالمعتقدات. كانت كلمات و قناعات تنطق بعفوية ! بثقة عمياء تترسخ في الأذهان بطريقة تلقائية. و الآن و ليومنا هذا لازالت تمثل عبرا و حكما ستظل أزلية .