الكلمة التي هزت قطارا في لندن

0 1٬037

بعد يوم متعب جداً في لندن، ركبت القطار لكي أرجع إلى مدينة كامبردج حيث أدرس. و بينما كنت أهوي على مقعدي لأجلس بعد طول وقوف، تنهدت بعمق قائلا  “الله، الحمد لله”! فإذا بالمقصورة كلها تلتفت في وقت واحد لتحدق بي و كأني على وشك تفجير قنبلة. تجرأ أحد الإنجليز الذي كانت تبدو عليه علامات المثقف و قال لي بنبرة مشبعة بالتعالي: “إنه لمؤسف أن تستعمل هاته الكلمة، فأنت في بلاد مسيحية، لا إرهاب هنا”، فأجبته على الفور (بالحرف): “بل المؤسف أنك لم تقرأ الإنجيل بلغته الأصل “الآرامية”، لتعلم أن God بالآرامية هي “Allaha اللَّاها”، و هي الآتية من الكلمة العبرية “Elohim ألوهيم”. فأنا على الأقل قلت “الله”، أما عيسى فكان يقول “آللاها” بالألف في الآخر (With an A at the end)، حتى يتسنى لأمثالك أن يسمعوا صدى الكلمة! يظهر لي أنني أكثر مسيحية و أقل إرهابا منك في هذه اللحظة، أليس كذلك؟

حملق فيَ الرجل بعينيه طويلا ثم قال؛ “لا غير صحيح”، و جلس صامتا! {نهاية}
Elohim-Hebrew-Bronze-Glittered-851x315
فكرت في الأمر مليا، ثم وصلت إلى خلاصة واحدة مفادها أن السبب وراء سؤاله لا يكمن في التأثير الإعلامي من الناحية السوسيولوجية فحسب، و إنما يكمن في الناحية التاريخية و الإبستيمولوجية أيضا و بالضبط في الجواب نفسه الذي أعطيت، فمن الإنجيل بدأت القصة التي لن أستطيع الدخول في تفاصيلها الدقيقة و  التي انتهت بلومي على قول اسم ربي.

كتب الإنجيل في الأصل بالآرامية، و ترجم بعد ذلك إلى الإغريقية ثم إلى اللاتينية، ثم بعد ذلك إلى مختلف اللغات. قام المفكر الإسباني Vicente Haya بعمل جبار لقراءة الإنجيل باللغة الآرامية و ترجمته مباشرة إلى الإسبانية (و تعتبر سابقة من نوعها)، كما تمكن أيضاً انطلاقا من الإنجيل  أن يظهر  كيف أن عيسى لم يدعي الألوهية قط، بل كان يعتبر نفسه نبيا من الأنبياء.

لكن القيصر الروماني قسطنطين الأول تمكن من بداية تعميم الإيمان بالتثليث (أي الإله و الابن و الروح القدس)، فهو السبيل الوحيد لبسط سيطرته بادعاء أنه خليفة الله في الأرض و لكسب مساندة الكنيسة التي كانت تحارب و حاربت بعد ذلك كل الموحدين من المسيحيين، خصوصا أتباع أريوس Arius الذي كان يعتبر الأب و المسيح منفصلين و أن الأب هو من خلق المسيح. خطوة القيصر هذه هي ما أدى إلى الشرخ الواضح بين الماديين Material و الروحيين Spiritual، و إلى 1200 سنة من الظلمات. فاليونان نفسها، أصل الفكر و الفلسفة كما يدعيها الأوروبيون اليوم  -وهي ليست كذلك – ، لم تكن تعتبر جزءًا من أوربا، لدرجة أن  كل من وجد عنده كتاب ارسطوطاليس Aristotal … يحرق حيا! هكذا أصبحت المسيحية دين دولة أيديولوجي لا مكان للاختلاف فيه. فكان بذلك اليهود أول المطرودين و المضطهدين.

Constantine_multiple_CdM_Beistegui_233
عملة نقدية في عهد قسطنطين الأول

في القرن الخامس الميلادي و بالضبط في سنة 416 تمكنت المملكة الوندالية  The Vandals من الدخول إلى إبيريا أو إسبانيا حاليا (التي كانت تضم البرتغال أيضا)، بل و دخلوا شمال إفريقيا أيضاً بما في ذلك قرطاج و شمال المغرب، و كان الونداليون آنذاك أريوسيين أو أريانيين Arians، أي يتبعون التوحيد الذي دعا له أريوس. سقطت الدولة الوندالية أمام قوة القوط الجرمانيين Visigoth القادمين من الشمال و الذين اجتاحوا فرنسا اجتياحا. و في سنة 587، قام ريكاردو الأول باتخاذ قرار ترك الأريانية و اعتناق التثليث الكاثوليكي، و هو ما أدى إلى نسف كل ما هو أرياني من رموز و معابد و بشر. فقام ريكاردو بسجن و نفي كل يهودي أو قسيس أرياني يمتنع عن اعتناق الكاثوليكية. فكان أبرزهم Sunna قسيس منطقة لوسيتانيا Lusitanya (البرتغال و  جزء من إسبانيا الغربية حاليا) و الذي نفي إلى شمال المغرب (Mauretania سابقا).

ظل هذا القمع متواصلا لسنين، فما بدأه ريكاردو أكمله أبناءه و أحفاده بدعم من الكنيسة الكاثوليكية، إلى أن بدأ سكان إسبانيا من يهود و أريانيين يستنجدون بسكان شمال المغرب و الذين كانت تربطهم بهم علاقات عرقية و أسرية، خصوصاً حينما وصلتهم الأصداء عن وصول دين جديد إلى شمال إفريقيا يدعو إلى التوحيد. تمكن أهل مليلية من طرد القوط سنة 689, و ظهر شاب اسمه طارق ابن زياد ساهم بشكل كبير في إسقاط الحكم القوطي عن كل من مدينتي طنجة و سبتة. لذلك تم تعيينه سنة 711 قائداً للجيش. أغلب المراجع الغربية تخبرنا أن المسلمين غزوا إسبانيا. و لكن الحقيقة أنه لم يكن غزوا على الإطلاق، و إلا فكيف نفسر انتصار سبعة آلاف من الجنود حديثي العهد بالإسلام على مئة أو مئتي ألف جندي قوطي. الحقيقة أن الأمر كان يتعلق بثورة تحررية ليس فقط في إسبانيا و إنما في كل المنطقة المتوسطية ضد حكم الكاثوليك الغاصب. بعد النصر، ظل اليهود على دينهم و لم يلمسهم أحد و أسلم من أسلم من الأريانين الموحدين بدون إجبار أو تقتيل.

Tarik_ibn_Ziyad_-
رسم تخيلي لطارق بن زياد على رأس جيشه. بريشة تيودور هوزمن

طوال هذه السنين في الأندلس، لم يكن هناك أي تصادم بين المادي و الروحي، بين العلم و الإيمان، بين الدين و السياسة. هذا لا يعني أنها لم تظهر أي مشاكل في الأندلس، لكن لم يسد أبدا ذلك الشرخ الإبستمولوجي الذي كان سائداً في أوربا آنذاك. لكن، و في سنة 1492، ستسقط الأندلس (بسقوط غرناطة) و سيسقط السلام و التعايش واحترام الاختلاف معها. حينها ستشيد المحاكم و السجون لكل من يخالف دين الحاكم و لكل من يرفض الدخول في المسيحية. حينها ستطبق أنظمة Encomienda و هي أنظمة استعمارية اقتصادية ترمي أولاً إلى الربح الاقتصادي، و ثانيا إلى دفع اليهود Moranos و المسلمين Moriskos إلى تغيير دينهم نحو المسيحية عن طريق استعبادهم و تشغيلهم في الحقول و المناجم. حينها دمر كل ما كان له صلة بالذاكرة، لأن من أصول المشروع الاستعماري فصل الإنسان عن ذاكرته، أي فصل الأحفاد عن ذاكرة الأجداد. فأحرقت بذلك المكاتب: أولا، أكبر مكتبة في العالم آنذاك، مكتبة قرطبة بحوالي 500000 كتاب، ثم مكتبة غرناطة بحوالي 250000 كتاب.

في نفس الفترة و بالضبط سنة 1491، اجتمع الملك فرديناند و زوجته إيزابيلا بأحد البحارة الإيطاليين، كرستوف كولومبوس، لحثه على الذهاب إلى الهند و من تم زيارة الصين باستعمال الخرائط الصينية. اليوم يصور لنا الغرب كريستوف كلوبوس كبطل مغوار تمكن من اكتشاف العالم الجديد “أمريكا”، و الحقيقة أنه بحار تالف لم يستطع أن يقرأ الخرائط الصينية، فانقلب عنده الشرق غربا و وصل إلى السواحل الأمريكية عوض الأراضي الهندية. كريستوف مات ظانا نفسه أنه وصل إلى الهند، بعد أن لقب أمريكا بالهند و سمى سكانها “الهنود Indianos” الذين أضاف عليهم الغرب بعد ذلك لقب ” الحُمر” ليفرقونهم بالشكل الكافي مع البيض المستعمرين.

مقالات مرتبطة

سقوط الأندلس و اكتشاف أو بالأحرى استعمار أمريكا هما أهم نكبتين إنسانيتين لا زالتا تلقيا بظلالهما الثقيلة على العالم إلى غاية اليوم.

Raya.02
معركة العقاب وبداية سقوط الأندلس

بدأت عملية الاكتشاف هذه و كأن أمريكا أرض خاوية على عروشها لا يسكنها أحد، و الحقيقة أنها كانت تمثل اكتشافا بالنسبة لإنسان واحد، هو الإنسان الأوربي. مفهوم الاكتشاف هنا يعني الملكية، أي أن “كل ما أجده في طريقي ملكي و إن كان صاحبه واقفا أمامي”، فتابوت فرعون ملكي، و حجر رشيد ملكي و كذلك السكان الأصليون لأمريكا، فهم ملكي. لا أريد أن أناقش هنا كيف أن سكان أمريكا من المايا Maya، الأنكا Inca، الأزتيك  Aztec و غيرهم كانوا على علم تام بوجود سكان العالم الآخرين بل و كانوا على اتصال مع الصينيين و الفايكين Viking ، لكن ما أريد أن أناقش هو كيف اعتبر المستعمر الأوربي الإنسان الأصلي لأمريكا إنسانا بدون روح لأنه لا يؤمن بالمسيح، بل و قضت الكنيسة الكاثوليكية قرنين من الزمن تناقش فيهما هل سكان أمريكا الأصليين بشر أم حيوان.

البشاعة وصلت بهذا الاستعمار إلى تطبيق ما حصل في الأندلس من استعباد و حرق و تقتيل و تعذيب، فقد قتل كريستوف كولومبوس حوالي  50000 من السكان الأصليين في ظرف ثلاث سنوات، و دمر حضارة هذا الشعب تدميراً. و لشدة تطبيق كريستوف لما وقع في الأندلس، كان يسمي المعابد الأمريكية  في مذكراته “مساجد”.

بعد نقاش طويل في أوربا، قررت الكنيسة أن سكان أمريكا ليسوا ببشر مثلهم، و كذلك الحال بالنسبة للأفارقة الذين رُحِّلوا من ديارهم في إفريقيا للاشتغال كعبيد في مناجم الذهب في أمريكا. من مناجم الرعب هذه جاء السود المتواجدون حاليا في أمريكا، ومن المناجم نفسها جاء الذهب الذي يرصع كنائس أوربا إلى اليوم.

The-Santa-Maria
سفينة كريستوفر كولومبوس «سانتا ماريا»

هذه نبذة أليمة عن بداية ما نسميه اليوم ب“الحداثة Modernity “، و التي ترتكز على ثلاث ركائز رئيسية : أولا فصل الروحي عن  المادي، و ثانيا الاستعمار،  و ثالثا الاستعباد.

هذه نبذة أليمة عن بداية ما نسميه اليوم ب”الدولة الحديثة” أو” الدولة الوطن Nation-State ، و التي ترتكز هي الأخرى على ثلاث ركائز رئيسية : أولا أن نؤمن بنفس الدين، و ثانيا أن نتكلم نفس اللغة، و ثالثا أن نكون من نفس اللون.

هذه نبذة أليمة عن بداية ما نسميه اليوم ب”الشمولية أو العالمية “Universalism ، و التي ترتكز أيضا على ثلاث ركائز رئيسية: أولا كل ما عاشته أوربا تاريخيا هو عالمي، و على كل الشعوب أن تعيش ما عاشته هذه البقعة الأرضية، بدءًا بفصل الكنيسة عن الدولة و إن لم تكن لديك كنيسة. ثانيا كل ما نتج عن الإنسان الأوربي عالمي و على كل الشعوب تطبيق هذا النتاج، فالإنسان الأوربي يملك النضج الإنساني Superiority of Humanity و يفوقنا علما Superiority of Knowledge و ثقافة Superiority of Culture، لهذا فلا مجال للتفكير خارج إطار حقوق الإنسان مثلا لأنها عالمية و لأن كل الإطارات الأخرى جهل و تخلف عن المجرى الحداثي. ثالثا، كل الأسئلة التي يطرحها الإنسان الغربي عالمية، و لا يحق للشعوب الأخرى رفض طرحها أو عدم الإجابة عنها. أي طرح لسؤال غير السؤال يعتبر حرباً ضد السائل. فلا يحق لك أن ترفض الإجابة على سؤال الإرهاب أو السوق الحر مثلاً.

هذه نبذة أليمة عن بداية ما تسبب في تأسف الرجل الإنجليزي على قولي لكلمة “الله” في مقصورة القطار المسيحي الأوروبي، رغم أنني لم أتلفظ إلا باسم ربه و رب المسيحيين أجمعين، و إن حذفت الألف الموجودة في الآخر. فالله و اللَّاها سواء!