عندما تتدلى على جدار الفايسوك مشنقةُ المقارنة

1 789

تتدفق على سطحِ جدار الاستقبال في الموقع الأزرق كمياتٌ مَهُولة من المعلومات و الأحداث والمنشورات تسابق عقارب الساعة وإلحاح الشمس في طلب الليل…مع الوقت و الإدمان يصبح هذا الجدار حاجزا بينك و بين معرفة حقيقة نفسك لأن موجات الضجيج و الصخب و الفعل و رد الفعل تختطف منك الهدوء وتَسْلُبك التركيز وتجعل عودتك إلى كهفك لشيء من التأمل يُجلي لك معدن نفسك ضرباً من المُحال…وحَجْبُ حقيقة نفسك عنك يُعَبِّد الطريق لعملية “المقارنة” لتحل بجوارك و تقتحم عليك تفكيرك.

والناس غالبا ما يحتفون في الفايسبوك بإنجازاتهم و لحظاتهم المميزة أو التي يُضْفون عليها صبغة التميز والفرح، وقلَّما يتحدث أحد عن عيوبه أو يقاسمنا هنا لوعة فشل اصطلى به يومه.. وبعد ذلك الاحتفاء، يهرول دماغنا سريعا إلى إسقاط تلك اللحظات السعيدة على حياة الشخص برمتها فنظن أنها الصبغة العامة لحياته.. و لَيْتَ الأمر يقف عند مستوى الإسقاط بل مقارنةُ نفسنا و أحوالنا بنفسية و أحوال الآخرين تفرض نفسها بكل إلحاح…و المقارنة تستحيي أن تجيء بدون أن تأتي برفقتها التعاسة.

10985013_10153218324384095_1051980795858755264_o
رسومات : محمد راوي

المقارنة تجعل الإنسان يظن أنه ليس عنده ميزة خاصة يمتاز بها عن الآخرين..ستكون ظالما لنفسك إذ تقارنها بعدة أشخاص آخرين قد عرفتَ عبر الفايسبوك نقاط قوتهم فقط ولم يحدثوك يوما عن نقاط ضعفهم و خيباتهم و أيامهم التعيسة..”يوم رائع مع فلان في المكان الفلاني”، “أنا الآن في فندق كذا و كذا”، “كم هي رائعة شواطئ البرازيل”، تسمع هذا و أنت لم تر البرازيل منذ مدة (على الخريطة طبعا).. وقد تُبتلى بمقارنة نفسك ببعض مشاهير الفايسبوك، الذين يرمي أحدهم بصنارة منشوره فيها طُعْمٌ قد يكون تافها و رخيصا ثم يصيد حوتا عظيما من الإعجابات و المدح، و تموت أنت معه غيرة و كمدا وشعورا بالنقص، و أنت لا تعلم أن الحوت صادته أشياء أخرى أنت لا تعلمها، التقليد يعلمها.

الناس مجبولون على أن يُرُوا الآخرين أحسن ما عندهم، والفايسبوك لا يعدو في كثير من الأحيان أن يكون مضمارا لعرض سلعنا من الصور و التغريدات و المقالات و العضلات الفكرية و الذكائية و المَرَحية و السَّبْقية في سوقٍ عُملته الجيم و التعليق و المشاركة..

10698556_10153026220559095_4979104465023945999_n
رسومات : محمد راوي

المقارنة قد تكون أخفى من دبيب النمل، وربما تحدث في مستوى لاوعينا، نَتَشرَّبُها و نمارسها حتى تظهَرَ أهمُّ أعراضها : التعاسة…الناس ليسوا أفضل من القمر، وأنت إذْ تنظر في منشوراتهم فأنت ترمق باندهاش جانِبَهم المشرق وتُغَيَّب شئت أم أبيت عن جانبهم المظلم و حياتهم العادية الرتيبة..فضلا على أن ذلك الإشراق قد يكون ظلمة في حقيقته غير أنه أشرق بالوصف و الإطناب و اللحن في الكلام..

لكل معاييره و ظروفه و فرصه للنجاح و السعادة، و خير المقارنة وأنفعها مقارنةُ نفسك اليوم بما كانت عليه بالأمس..تلك المقارنة باذخة فعلا تشبه الصيد فوق مركب في بحيرة هادئة…ولكن أنى لتسونامي الفايسبوك أن يسمح لك بها.