أمي الغضفة

0 712

في حافلة ركاب تربط الدار البيضاء بمسقط رأسي خريبكة، جلست بجانبي سيدة في أرذل العمر تُدعى (الغضفة)، لربما في الثمانينات من عمرها، دار بيني و بينها حديث مطول قبل أن تنزل في الخلاء و القفار بين بن أحمد و ثلاثاء الأولاد (فيني)

– ما الإسم الذي إختار لك الوالدين ؟
– أسموني أيمن يا أمي

– جميل إسمك يا … إِيمن (بكسر الألف)
لم أحاول إصلاح سوء الهجاء لأن لسان بعض أهل البادية لا يلتقي مع المخارج المفتوحة عند بداية الكلام
– قل لي يا إيمن، أين ولدتك أمك و من أين أصلك ؟
– وضعتني أمي بخريبكة و أصولي من قبائل أولاد عزوز بين خريبكة و الفقيه بن صالح
– أولاد عزوز : أرض الأنعام و البهائم …
– هناك من هم كالأنعام بل هم أضل … أتقصدين بني البشر في وصفك أم الحيوان ؟
إبتسمت و إسترسلت قائلة :
– لا يا بني، أعز الله قدركم … أهل جود و خير. في حظيرتي بهائم من عندكم بين بقر و خرفان و نعاج
– زادك الله من فضله. هل تقومين بشؤون الحظيرة لوحدك ؟ متى تستيقظين و ما تفعلين ؟
– موعدي السادسة صباحاً مع كل يوم. أتوضأ و أصلي صبحي … أسقي بعض الماء، أذهب إلى الحظيرة، أعتني بأنعامي، أحلب بقراتي، أستخرج بعض اللبن و السمن، و أدفع بقدر منه لتعاونية فلاحية بالمنطقة تعطيني جزاءه بعض الدراهم لأتسوق يوم الثلاثاء ما لست له من المنتجين

tumblr_m6ed58Qcub1rnw4pso1_1280
– ما عمر أقدم سمن حائل لديك ؟
– عندي سمن حائل مرت عليه ثلاث أحوال كاملة … شهي جميل يعطي لقصعة الكسكس عندي طعماً آخر
الحديث عن سمن و لبن و حليب دغدغ مشاعر معدتي، فأخرجت علبة عصير و قطعة كعك جاهزة مصنعة٠ دفعت لها ببعض من مؤونتي فرفضت تناولها بقوة أثارت إنتباهي ٠٠٠
– أترغب في قتلي ؟ أبعد عني هذا الهراء ! لا تدخل معدتي مثل هاته التفاهات … إنما هي تقليل للعمر
– و ما تأكلين من تمديد للعمر ؟
– طعام أطهوه بيدي، من مقادير ما أخرجت أرض دواري … من الكسكس، باداس، التشيشة و خبز الكرون، التريد، فتات الشطبة، هر بر، البركوكش، العصيدة، الدّشِيش، الحسوة … إلخ
إستمعت بتمعن و صمت، ظنت أنها لربما كانت قاسية في رفضها فقالت مسترسلة
– أعتذر منك إن تكلمت بقوة و رفضت دعوتك للطعام، الصدق في القول خصلة أشتهر بها في دواري … حال لساني لا يختلف عن حال أفكاري ! ابتعد عن الكذب و الزور، و أترك مجالس النميمة و الحسد و لا ألومن إلا نفسي عند الخطأ
صدمت من ثقل الكلمات و حسن إختيارها من لدن الغضفة … كيف لإمرأة بدوية أمية أن تغوص في معاني و عمق الحكم الإنسانية هاته

15404818495_e979b7ac9f_b

– أنا إبن ضال يا أمي الغضفة، فكيف أجد نفسي التائهة رغم أنها لم تبرح جسدي هذا ؟
النوم المبكر بركة و الإستيقاظ المبكر فطنة … لا تكذب، لا تشهد زوراً أبداً ! مع كل كذبة ينزلق ضميرك في منحدر الإختفاء. لا تبخل على نفسك من وقت عزلة عن البشر … إستمع لما تقول أعماقك … لا تحبس دمعة صادقة و لا غضباً سليماً … لجم لسانك بلجام الحق، و كف يدك عن ما ليس لك و أطلق سراح ضحكتك
توقف فمي عن مضغ الكعكة و العصير … إنحبس اللعاب في حلقي … و إغرورقت عيناي دمعاً من عمق و جمال معاني أمي الغضفة
لقائها ترك بصمات في قلبي … تعلمت أن الحكمة تخرج من أفواه أضعف خلق الله جسداً … في حافلة ركاب مهترأة تنقل المتسوقين وسط الخلاء و القفار بين إصفرار الحقول اللامتناهي
تغرني نفسي بمعارفي في الإقتصاد و المالية و الموارد البشرية و العلوم السياسية و أفكار الإصلاح … و تأتي الغضفة لتبين لي كم أنا صغير و محدود فكرياً و إنسانياً.
الثروة في قلوب أمثالها و غيث المطر يصب و يصيب ربما تلبية لدعائها