ملامح أُنسٍ من جفاء البادية

1 880

قبل عقدين من الزّمن وأنا ابنة ثلاث سَنوات، وفي أَحد مواسم جَني ثمار الأرگان التي تحفل بها القرى الجنوبية المغربية، قَضيت في قرية “إداوسملال” ثلاثة شُهور، ذُقت فيها طَعم حياة قدّت من صخور البساطة . تَعلمت فيها الحساب على يدِ النّجوم، وأتقنت اللغة الأمازيغية حتى اختفت العربية من لِسَاني، وَحتى ذلك الحِين الذي فَتح الله لي فيه مغاليق تلك اللغة العَجيبة، صاحَبتُ قطة ابتَلاها الله بي فكنت لَها ظلا في المَساء !

moroccan_children_web

لم تزود القرية وَقتها بعد بالكهرباء لذلك فقد تعوّدت على الظّلام لأعقد وثيقة تنافر مع خوفٍ كان يغزو الأقران في سني . لاسيَّما إن تعلق الأمر بقطتّي التي كنت أجوب الزّرائب و أَخمام الدّجاج ليلا لأبحَث عَنها .بحثٌ لم يرتح مِنه والدي الذي نُصّبَ طوال تلك المدّة على اقتفاء أثري لئلاّ أسقط في بئر أو تَبتلعني ناعُورة .لَم يرتح منه إلا حينما تُوفيت قطتي، تلك التي حَزنت على موتها كما لم أحزن على فقداني لقطع الشوكولا على ضفة الوادي .

لَم أَصِر بعدُ واسطة العِقد حينها ، فأمي لم تُنجب بَعد أختي الصّغرى. كان الوضع ممتازا، يسمح لي بممارسة صنوف الدلال وألوانه، فقد كان أبي بالرغم مما أثيره من المتاعب متصالحا مع فوضاي و سَعيدا بزعامتي وجرأتي التي أكسبتنيها البادية، بل و فَخورا بي  وبلساني السّليط أمام الملأ . فبعد وَفاة قطتي اضطررت إلى الانضمام لركب العَجائز .مع أمي وجدتي عند العَصر تحت شجرة الأركان على أنغام قصيدة نهاوندية، وعند المغرب مع أبي والشيوخ تَحت ضوء النّجوم على أثير المذياع .

في ذلك التاريخ، بدأت رياح الهجرة تهبّ على القُرى و كانت فصيلة الأطفال في قريتنا على وَشك الانقراض، تكاد تَخلو القرية مِنهم إلا من بَعض الرذاذ فَضلا عنِ الزّوار الذين يتخللون عُطلة الصّيف أو الربيع، أما أخبار العقائق فَلم تعد تذاع إلا في المُدن . لذلك فقِطَعُ الزّمن الصغيرة كانت مَحطّ الأنظار وباعثَ الذهول وحَديث السّاعة لقَوم لطالما رَدّدوا كما أسندت جدّتي الكبرى:  ” كل الأشياء الصغيرة مغرية ومثيرة إلا رغيف الخبز ” !

لا تكل النسوة هناك من ترديد هذه العبارة، ليس لأن الرغيف يطرد شبح الجوع فحسب، بل لأنه يتعدى ذلك إلى كونه –عندهن – كناية على العزة و على ذراع رجل تعمل،تزرع، تحصد، تحمل الأثقال وتكون لهن متكأً !

سقى الله أياما لم نكن نُعدَم فيها -مع أعباء الحياة- حيلة نَنفُذ بها إلى القرى لنتنفّس . فقد مَضَت أربع سنواتٍ عن آخر شهقة لي في تلك القَرية، سمعت أن كل شيء فيها تغير، وأن التلال بعد ثورة الهواتف الذكية أصبحت تبيع الصمت بعد أن كانت المصدر الأوحد للأخبار، وأن الكل أصبح يُسَبِّح فيها بحمد هاتفه دون يفقه أحد عن الآخر .

‘Argan+Oil+Paladine’+-+Nadia+Fatmi,+president+of+the+Tighanimine+women’s+cooperative+(a+Slow+Food+Presidium),+she+is+the+guardian+of+the+argan+tree,+which+is+similar+to+the+olive+but+grows+only+on+the+south

مع ذلك، لم يكن الوضْع سيئاً إلى هذا الحد، فلا زالت شجرة الأركان تجمع القوم على شاي العصر ، وإن لم تُعدَم المسبِّحين أيضا . وعلى ذكر الشجرة، لازال منظر النسوة تحتها متقدا في ذاكرتي وكأنهن نسخة لامرأة واحدة مغنبَرةٍ بِلحاف أبيض يعلو ثوبا أسودا ،  فلا يكاد الرجل عليهن مارا أن يٌميز حَرَمه بَينهن . وإلا فالويل للتي تُمَيّز من بين النّساء  !

مع كل هذا الغلو فيها تكاد الغيرة أن تكون الصورة الوحيدةَ للحُب في قريتي .فالحُب عندنا هو الذي يأبى إلا أن يبقى مضمرا في غيابات القلب، فلا تصوره الأفعال فضلاً عن الأقوال خاصّة في صفوف الرجال .فإنفاق الحب في عقيدتهم -التي تمجد الكبار- هو إنفاق من الهَيبة، وإظهار المشاعر هو إنقاص من القَدرِ .

لذلك فهم في الحبّ على مذهب {يَكْنزونَ} يخفون في أنفسهم ما لا يبدون ،  بعيون تلهج بتساؤل الربيع  : “وهل يكون الشيء معدوماً طالما بقي سراً في القلب حتى إذا أُفصحَ عنه وُجِد؟ ”

ليلبسوا بالصّمت أسمال الكبرياء ويتمتعوا على الدَوام بمزاج حاد وثقةٍ رهيبة وكيان مستقرّ ،استقرارا لا يُهدّده إلا أحد شيئين لا ثالث لهما :

غاصبو الأرض مِمن سمّو ” بوغابة ” ، أو عَريس لِبناتِهم من خارج القبيلة .

وهما سيّان ، فالمرأة في بلادي كالأرض لا يَطؤها الغرباء ، بُذورها من أَهلها و ثمارها لَهُم. أَما أبو البنات عندنا فلا يُسند ذقنه إلى صَدره مُرتاحا حتى يوَرّثَهُنّ للقرابة كما يورث الأرض لأصغر حَفيد !