المفقود في تربيتنا

1 689

لو وُضعت اليوم قائمة بأكثر الأمور مدعاة للشكوى بل وسببا للشعور بالإحباط في الحياة الاجتماعية والأسرية لكثير من الناس لتصدر الشعور بالإخفاق في تربية الأبناء المراتب الأولى من اللائحة ! يعني الإخفاق في تنشئة أبناء لديهم قدر جيد من الانضباط الذاتي وتقدير للمسؤوليات ،والميل إلى تمثل القيم والمفاهيم الصحيحة المتعلقة بالاستقامة والصلاح والسعي للتفوق والنجاح في حياتهم.

لن يكون من السهل تحديد الأسباب الكاملة والحقيقية وراء هذه الوضعية التي تشكل اليوم هما يثقل نفوس الآباء والمربين، لكن يمكننا أن نحاول استجلاء بعض هذه الأسباب من خلال المعاني الآتية:
لابد من القول ابتداء إن عقولنا تتعامل مع المسائل والمشكلات والأشياء المختلفة التي تعرض لها من خلال ما تمتلكه من أفكار ومفاهيم حولها، فحين تغيب عن الإنسان المفاهيم المتعلقة بشيء ما فإن تعامله معه يكون مشوبا بالكثير من الأخطاء والقصور، وإن غياب بعض المعاني والمفاهيم المهمة المتعلقة بالتربية عن إدراك كثير من الآباء والمربين جعل معظم ما يبذلونه من جهود في تربية أبنائهم يبوء بالفشل أو يعطي نتائج عكسية لما يتطلعون إليه، وهذا بات يشكل مصدر خيبة كبير لكثيرين منهم.

parenting1
لقطة من الحملة الإشهارية “الأطفال تفعل ما تشاهده “

إن التربية في جوهرها هي عبارة عن عمل صامت، فهي ليست عملية تعليمية كما ينظر إليها بقدر ما هي عملية تفاعلية، يتفاعل من خلالها الصغار مع البيئة التربوية المحيطة بهم ويكتسبون من خلال ما يشاهدونه ويستشعرونه فيها من مواقف وأفعال وسلوكيات عاداتهم النفسية والفكرية والسلوكية. هذا يعني أن الأمور المؤثرة في الأبناء وما يترك البصمة الأقوى في طريقة تفكيرهم ونفسياتهم وسلوكياتهم ليس ما يقال لهم وما يتم تعليمه لهم بالكلام والنصح والوعظ، ولكن ما تمرره لهم البيئة التي يحيون فيها ويتفاعلون معها من قيم ورسائل تربوية مرمزة. إن ما ينبغي أن ينتبه له الآباء في الحقيقة هو مدى استقامة وصواب أفعالهم هم كمربين، ومدى حرصهم على وقوف المواقف الصائبة وسلوك السلوكيات الصحيحة التي تساعد أبناءهم على تمثل القيم والمفاهيم الجيدة التي يرغبون في رؤيتها لدى أبنائهم، فالتربية بالأفعال والسلوكيات هي مفردات التربية الأنيقة والمؤثرة. إن شكل هذه القدوة ونوعية البيئة التي يوفرها المربون والآباء ستظل العامل الحاسم والكلمة الفيصل في تحديد نتائج كل الجهود التربوية المبذولة، فكما يكونون ستكون تربيتهم، ولا عبرة هنا بالاستثناءات، وعدم إدراك هذا الأمر سيجعل خيبات المربين مستمرة. كما أن البيئة التربوية الغنية بالمواد التفاعلية والأنشطة الثقافية مثل توافر الكتب والقصص المشوقة والألعاب المفيدة وكثرة التواصل اللفظي بين الأبوين وقوة العلاقة بينهما وإشراك الصغار في الحوارات الأسرية وفي اتخاذ بعض القرارات الصغيرة… يثري حياتهم ويجعلهم مؤهلين ليكونوا أبناء جيدين ومؤهلين لعيش حياتهم بكفاءة واستقامة أكبر.

family_feet_hd_widescreen_wallpapers_1920x1200

مقالات مرتبطة

من جانب آخر، تشهد اليوم ملامح العصر تغيرا كبيرا وسريعا على جميع الصعد، والتحديات في كل شيء تقريبا تعددت وتعقدت، والتربية كجزء من هذه المنظومة قد تأثرت بهذه التغيرات أيضا وصارت، على عكس ما كان في الماضي، تتم في وسط مفتوح تماما، تتضارب قيمه ومفاهيمه ونظمه، ويتداخل فيه الجيد مع السيء، ويتدافع فيه الخير مع الشر، ويتفاعل فيه المحلي مع الوافد. كما أن الدراسات المتخصصة في مجال التربية تخرج علينا في كل يوم تقريبا بأمور وحقائق جديدة في شأن التربية والعوامل المؤثرة فيها، لتنسف الكثير من المعتقدات والممارسات الخاطئة في الموضوع؛ وأمام هذا الوضع لا مجال لمواجهة الواقع الجديد إلا بتغيير التصورات وتنمية الأفهام وتجديد الوسائل. لكننا رغم ذلك نجد أن كثيرا من عاداتنا وتقاليدنا التربوية رغم ما فيه من أخطاء لم يعرف أي تغيير ملموس، بل إن هنالك تشبتا أكثر بتلك التقاليد كردة فعل ربما على ما يجري من صراع محموم وتداخل غير مسبوق بين الثقافات، بصرف النظر عن صحة وصواب تلك التقاليد والمفاهيم التربوية أو مدى ملاءمتها لمتطلبات هذا العصر وتحدياته، كما نجد كثيرا من المربين ممن يستمر في ترديد شعاره الخالد “هذا ما وجدنا عليه آباءنا، وليس في الإمكان أفضل مما كان”.

إن هذا راجع في جزء منه إلى كون الجوانب المعنوية في حياة الناس، وعكس المظاهر المادية منها، بطيئة التغيير وشديدة المقاومة للمتغيرات الخارجية، وخاصة في المجتمعات المتخلفة التي لا تعرف كيف تستثمر هذه التغيرات وتدمجها في أنساقها الفكرية والشعورية والثقافية على نحو يحسن أوضاعها ويجعلها قادرة على إدارة التغيير. لكن هذا العجز على تكييف وتجديد الرؤى والوسائل التربوية يرجع بالأساس إلى ما يمارسه كثير من الآباء والمربين من الهروب المستمر إلى الأمام من المواجهة الصريحة للتحديات المستجدة وتحمل المتطلبات الجديدة لتربية جيل يعيش في زمان أكثر تحديا وأكثر تعقيدا ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسعه زمن قبله.

إن كثيرا من الآباء يريدها معركة رابحة بلا ثمن، فالتربية في جوهرها معركة ضد كل أشكال الانحراف والقصور الذاتي، وخوض هذه المعركة والنصر فيها يحتاج إلى عدة فكرية ونفسية وروحية قوية ومتماسكة في زمن كثر فيه الانحراف وكثرت فيه الملهيات والمغريات.

father-daughter-fists

إن كثيرا من الآباء والمربين يلجؤون إلى أسوب الأمر والإخضاع في تربية أبنائهم، وهو أسلوب اقل استنفاذا لطاقة المربي النفسية والفكرية من أسلوب الجذب والترغيب الذي يتطلب صبرا وطاقة عالية، وذلك ليس لظنهم أن الأسلوب الأول أكثر فعالية وحسب ولكن لأن من خصائص الطبيعة البشرية أنها ميالة إلى السهل وإلى اقتصاد الجهد، لكنهم بهذا لا يبنون إنسانا سويا بقدر ما يعملون على إخراج إنسان إلى المجتمع ذي سلوكين، سلوك يرضي به الأهل والمجتمع وسلوك يلبي به حاجاته الذاتية، يعني فردا لديه نوع من النفاق الاجتماعي. التربية مسؤولية جسيمة وأمانة عظيمة، والكثير من النصوص الشرعية قد نصت على ذلك وبينت جلال قدره وعظم مثوبته، وإن النهوض بها يتطلب شيئا من الصبر والتضحية والعناية المتواصلة التي لا تعرف مللا ولا كللا، وهذا يشمل الجلوس الكافي مع الأبناء والمصاحبة القريبة لهم، ولو اقتضى الأمر التضحية ببعض المرغوبات وأرباح ساعات إضافية من العمل، والصبر على أسئلتهم وأخطائهم، كما يعني تقديم كافة أشكال الدعم المعنوي والمادي المطلوب من أجل القيام بأعباء هذه التربية.

إن هناك من الآباء من يحرص كل الحرص على قراءة دليل استعمال جهاز جديد إذا اشتراه قبل أن يضع يده عليه مخافة أن يفسده، لكنه لا يكلف نفسه عناء قراءة صفحة واحدة من كتاب عن التربية وربما تجد لديه ستا أو أكثر من الأبناء! كما أن هناك من يستمر في الاحتجاج بضيق الوقت، هذه الشماعة الخالدة لكل تقصير، وكثرة الانشغالات لتبرير تقصيره في إيلاء قضية التربية ما تحتاجه من عناية، والواقع أنه ليس أن الناس لا يجدون الوقت لتربية أبناءهم، ولكنها حالة من التخلف العام نعيشها، فالناس يجدون دوما فائضا من الوقت من أجل جمع المال والجري وراء المتع الشخصية، لكن من أجل التربية والقراءة حولها والمثاقفة والحوار ومجالسة الأبناء ومتابعة شؤونهم عن قرب نحن نشكو من شح الوقت وضيقه، كشكوى المريض من الدواء!
إننا مدعوون جميعا كآباء ومربين، بل مطالبون بإعادة النظر في مناهجنا وأساليبنا في تربية الأبناء، وإلى مراجعة المفاهيم والمعاني التربوية التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا وتجديدها بما يتلاءم ومتطلبات وتحديات هذا العصر، وأيضا ما يتيحه من فرص وإمكانات لم تكن متاحة من قبل، وبما ينسجم مع قيمنا ومبادئنا وأهدافنا الكبرى، إذا كنا حقا مصممين على عدم خسارة الجيل الناشئ.