قراءة في كتاب “ميلاد مجتمع” لمالك بن نبي

0 541

مجموعات النمل، قبائل الأقزام في أدغال إفريقيا أو أستراليا مثالٌ على تجمعاتٍ من الأفراد لم تتغير صورة حياتها خلال آلاف السنين وهي تُصوِّر حتى الآن مرحلةً من مراحل الإنسانية في عصور ما قبل التاريخ، فبالنسبة لهذه التجمعات تُعتبر الغريزةُ الوسيلةَ والسببَ الذي أدى إلى تكتل أفراده بداعي البقاء والحفاظ على النوع.
فمن ناحية التعريف الأدبي، يمكن أن نطلق على هذه الأنواع من التجمعات لفظ مجتمع، أما من الناحية الوظيفية فالمجتمع هو فقط الجماعة التي تغير دوما من خصائصها الاجتماعية بإنتاج وسائل التغيير مع علمها بالهدف الذي تسعى إليه من وراء هذا التغيير.

20131111-nematov-aeg-2013-annoucement-001-675
إن العناصر الكيميائية (الكربون مثلا) قد تكون متشابهة في مركبات كيميائية من حيث عدد العناصر ونوعها، ولكنَّ تلك المركبات تكون مختلفة تماما من حيث وظيفتها و طريقة تفاعلاتها، فاختلاف الخصائص الكيميائية يرجع إذا إلى تنظيم الذرات داخل المركب وليس إلى كمية تلك الذرات. كذا الشأن بالنسبة للمجتمعات الإنسانية، فإن التنظيم الداخلي لأفرادها هو ما يحدد وظيفتها وخصائصها، إنها شبكة العلاقات الاجتماعية التي بناها النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ميلاد المجتمع الإسلامي مثلا عندما آخى بين المهاجرين و الأنصار، تلك الشبكة عينُها التي سيكون تمزقها مؤذنا بأفول نجم حضارة الإسلام وتداعي الأمم عليها لأن المجتمع سيصير إذاك مجرد تجمعات لا هدف لها كغثاء السيل.
إن جميع أسباب تحلل المجتمع كامنة في مرض شبكة علاقاته، ذلك المرض الذي يتمثل أساسا في تضخم الأنا أي في تحلل الجسد الاجتماعي لصالح الفردية، وحتى لو كان المجتمع غنيا بالأفكار فإن ذلك لا يمنعه من السقوط إذا غاب الانسجام بين أفراده وعجزوا عن أداء نشاط مشترك يتحرك بهم نحو غاية معينة.
والعلاقات الاجتماعية ليست في جوهرها سوى تلك القيم الثقافية التي يمثلها القانون الخلقي والدستور الجمالي الخاص بالمجتمع، فالمجتمع الإسلامي مثلا شهد وجوه حياته تتغير فجأة بتأثير القيم الخُلقية التي جاء بها الوحي، ومن ثَمَّ كانت العلاقة الروحية بين الله و الإنسان هي التي تلد تلك العلاقة الاجتماعية في صورة قيمة أخلاقية “لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم” غير أن تأثير الفكرة الدينية يبقى رهنا ببعض شروط الجغرافية الإنسانية إن لم تجدها هذه الفكرة في موطنها هاجرت إلى حيث تجدها، فالمسيحية مثلا، على خلاف الإسلام الذي وجد أرضا عذراء، لم تبدأ مهمتها إلا بعد أن غادرت مهدها (فلسطين التي كانت تعج بالثقافات الرومانية و اليهودية و الإغريقية..) بعد 12 قرنا من ولادتها.

مقالات مرتبطة

slide_259110_1681789_free
ويؤكد مالك بن نبي على أن كل ملحمة من ملاحم التاريخ الأوربي هي في الواقع نوع من التجسيد للفكرة المسيحية الني أنتجت شبكة العلاقات الاجتماعية التي أنتجت بدورها على حد سواء الحروب الصليبية كما أنتجت ثورة 1848.
يحمل الإنسان بين جنبيه طاقة حيوية غريزية خام تدفعه ليعمل من أجل البقاء والحفاظ على النوع، وتكييفُ هذه الطاقة وتنظيمها بهدف أن يكون لحياة الإنسان معنى تاريخي وأخلاقي هو ما يرقى بإنسانيته عن مستوى البهائم والعجماوات. فوحدةُ المجتمع التي تتشكل منها عناصره ليست الفرد ولكنها الفرد المكيَّف المشروط الذي حددت عناصر أناه الفكرةُ الدينية.
هذه الفكرة (أو ما أسماه بعض المفكرين بالمثل الأعلى) هي نفسها التي تتدخل لتنشيط إرادة الفرد التي يرجع لها الفضل في توجيه طاقته الحيوية المكيَّفة تبعا لمقتضيات النشاط الخاص بأناه داخل المجتمع ثم تبعا للنشاط المشترك الذي يؤديه المجتمع في التاريخ. لاشك أن هناك علاقة جدلية كونية تاريخية بين الفرد ومجموعة انعكاساته وبين المجتمع ونوع شبكة العلاقات السائدة فيه، فالمجتمع يخلق الانعكاس الفردي والانعكاس الفردي يقود تطورَه ومشكلة التاريخ كما يقول جيزو :

“يمكن أن تُتَصور بطريقتين، إما أن نحلها في نفس الفرد ذاته ناظرين إلى ما يغير ذاته الإنسانية و إما أن نحلها في نطاق ما يحيط به ناظرين إلى ما يغير إطاره الاجتماعي”ّ.

وإذا كانت لشبكة العلاقات الاجتماعية دور مهم في تحضر المجتمع وتقدمه، فلا شك أن الاستعمار يضع ذلك في حسبانه ويعمل جهدَه لتقويض عرى تلك العلاقات عبر وسائل عديدة دقيقة قلَّ أن تثير ضجيجا كضجيج الدبابة والطائرة والمدفع. وفي الوقت نفسه كثيرا ما يجد هذا المستعمر في أنفسنا استعدادا وقابلية و تقاليدَ ضد اجتماعية تسهل عليه مهمته وتمنح صفة الشرعية على هجومه. وإنه لمن الواجب على كل مجتمع يريد سلوك طريق التحضر أو المحافظة عليه أن يحمي شبكة علاقاته الاجتماعية عبر التقليل من الآثار المفرِّقة الطردية في المجتمع والإكثار من الآثار الموثقة الجذبية في العلاقات بين الأفراد، عبر تعليم هؤلاء كيف يعيشون معا، كيف يبنون نسقا ثقافيا متماسكا يحفظ للمجتمع لحمته وأواصره. إن اقتباس الحلول والأفكار من الماضي أو من الخارج دون تهيء المحيط اللازم لتطبيقها يشبه بذل مجهود لتشكيل الماء عبر الحصول على ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأوكسجين دون معرفة الهيآة و المركب الذي عبره تنتظم هذه الذرات.
إن المسلم يعيش اليوم فصلا بين المبدأ والحياة، بين ما يعتقده وما يؤسس عليه حركته، وذاك مصدر الداء الذي لا ينفع معه استنساخ الحلول والأفكار، إذ لا يمكن بأي حال فصل الجهد الاجتماعي عن الأسس الأخلاقية التي تسانده دون هدم هذا الجهد ذاته في آخر المطاف.