سقوط مختلف

0 1٬354

السقوط هو فقدان التوازن الناتج عن حركة غير طبيعية تُحدِث خللا في السيرورة الرتيبة لمنظومة التوازن والاستثباب عند الإنسان، أو هو عملية الانتقال من مكان إلى مكان أخفض منه بفعل قانون الجاذبية وبفعل أن الأجسام بصفة عامة تبحث عن مراكز الاستقرار المستمر.
لكن هناك أنواع أخرى من السقوط قلما ينتبه إليها الإنسان وقلما يعيرها تدبرا وتحليلا، مع أنها تحمل نفس مدلول السقوط المعروف من حيث الشكل وتختلف عنه مضمونا..وهي تَعْظُمه بلا شك أهميةً وقدرا..

من بين هذه الأنواع السقوط من العين، فسقوط الإنسان من عينك يعني سقوط قدره عندك، يعني أن تنزله من تلك القمة التي كنت تضعه عليها في جبل احترامك… وقد يختلف ارتفاع هذه القمة باختلاف علة الوصول إليها…هذه العلة تكون مرتبطة أساسا بمميزات هذا الشخص أو سلوكية من سلوكياته، التي بمجرد انتفائها أو الريب في حقيقتها تنتفي العلة، فيتدحرج صاحبها من على تلك القمة نحو السفح حيث الدهماء..فإن سقط الإنسان من عينك زال الاحترام والتقدير الذي كنت تكنه له، كله أو جله. وللناس في ذلك مذاهب ومشارب، فمن الناس من ينزلك منزلة رفيعة في عينيه بسرعة وبسهولة فيقتضي ذلك أن تنتظر مغادرتك هذه المنزلة عند أول هفوة فيُنسَف تاريخك وتقضي بطولاتك وتصبح تلك الهفوة الصغيرة هي المهيمنة على تصوره لذاتك…ومن الناس من تحتاج إلى إثبات واستحقاق وزمن حتى تجد لك مكانا في مسرح احترامه وتحصلَ على جواز للعبور إلى أرض تقديره..فلا تفقد بذاك مكانتك في عينيه إلا لاستلزام فعل أو أفعال منك لذلك..أفعالٌ تهوي فعلا بكفة الشر على حساب كفة الخير في ميزان نظرته لك وتقييمه لصفاتك…

620e7056fce67e1d18a310780fb675c9

مقالات مرتبطة

ثورة الإنترنت

أفيون الشعوب

أما السقوط الثاني فهو السقوط من الذاكرة..وهو تدحرج الشخص من دفات مكتبة معارفك..وتواريه في غيابات فكرك..فتلبس سيرتُه كفن النسيان ويحتل آخرون مكانه دون أن تقام له مراسيم دفن أو أن تشرع له فترة حداد..دون أن يُلطم لأجله خذ أو أن تُذرف لفراقه دمعة..ولعمري هذا أهون أنواع السقوط فنحن لا ننسى عادة إلا من طال زمن فراق سوادِه أعينَنَا فلم يترك في شاطئ ذكراه أي أثر..ولم يزرع في صحراء علاقتنا به أي وردة نحيطها بالرعاية فنرى بين الفينة والأخرى مُحيّاه في ألوانها ونشم عطره في عبقها….

ويبقى النوع الأخير من أنواع السقوط المعنوي : السقوط من القلب، فسقوط المرء من قلبك يعني نضوب بئر مودتك له وتصحر تلك الحدائق الغناء التي كانت تغرد فيها طيور تعلقك به… فلا يعني ذلك أنك أصبحت تكرهه، ولكن يعني أنك لم تعد تحبه، ولا أنك نسيته ولكن أنك تستطيع العيش دونه..فلم يعد بالنسبة إليك إلا اسما مجردا عالقا في ذاكرتك تستطيع أي رجة يحدثها الفراق أن تهوي به في مدارك النسيان.

ولكن كيف يسقط إنسان من قلب إنسان هكذا وكيف بعد تبوئه أزكى مكان تهوي به الريح في مكان سحيق..اختلف الناس كثيرا وأرغوا وأزبدوا في طرق الوصول إلى مملكة القلب وصعود أسوارها والرقي في مدارجها..فسبل تسلق القلوب تختلف باختلاف طبيعة المتسلِّق والمتسلَّق إلى قلبه…فمن الناس من تصعد إلى قلبه ويداك في جيبك، ومنهم من تحتاج إلى ضعف ما يحتاجه متسلق محترف من أدوات وخبرة، ناهيك عن الصبر والمكابدة والمثابرة وسعة الصدر والوقت والإصرار..ومِن الناس من يملكون أراض شاسعة ومروجا فسيحة في أعالي قمم قلوبهم يرابض فيها كل من يعرفونه ومن سيعرفونه، تحتاج إلى عمر حتى تمتلئ…ومن الناس من قلبه قاس قد جعل له غشاء أملسا حتى ينزلق عليه كل من سولت له نفسه تسلقه..ومنهم من هو أدهى وأمر، لا ينسى أن يدهن قلبه كل صباح بسائل لزج حتى يقطع العادة ويسد الباب على “الصغار” الذين يودون تسلق قلبه “الكبير”…ومن الناس من قلوبهم بروج عاجية لا تحلق حولها إلا الخفافيش ولا يسكنها إلا الظلام ولا يصعدها إلا الموت. وتبقى في نظري العين أهمَّ مرقاة للقلب وأسرع قناة للوصول إليه لذلك كان للجمال الخِلْقي سلطانه العتيد وللانطباع الأول مكانته ووزنه…

696937-7
إن السقوط يبقى في تمثله العام معنى سلبيا ودلالةً على السير غير المتزن في الشارع أو في الحياة…وتنبري بين أنواع السقوط علاقة ترابط وتماسك واستلزام..فسقوط الإنسان من ذاكرتك يستلزم سقوطه من عينك وقلبك أولا..وسقوطه من قلبك لا يعني بالضرورة سقوطه من عينك، فقد يجبرك إنسان على احترامه حتى لو أبغضته وكرهته…كما قد تكره كائنا وتحتقره فيجتمع بذلك السقوط من القلب و من العين كلاهما…وقد يكون السقوط ابتداء من القلب أو العين فيتولد عنه السقوط من الآخر في جدلية وسلسلة لاتنتهي..
ويبقى أسوأ وأغرب شعور وتحربة يمكن أن تعيشها سقوطُ الإنسان من عينك واستمرارُ تعلقه بأهذاب قلبك لا تستطيع له لفظا ولا نفضا.. فهل يكون الزمن كفيلا بدحره عن قلبك أم أن الحب لا يسقط بالتقادم ؟