ألا يبعث انفتاح حواسنا الكلي على الآخر على الأحزان مثلما يبعث على المسرات؟

0 692

هي لحظة، من بين لحظات أخرى، استوقفني ثقلها و ترسخت في ذهني ووجداني معانيها. كان ذلك خلال رحلة قادتني إلى صحراء مرزوكة وجدبتني إلى عوالم داخلية بعد مطبات حياتية حملتني إلى ارتفاع مخيف وهوت بي إلى القعر. غريب و جميل أمر الإنسان، إذا جفت أنهاره و شرايينه ذهبت به نفسه إلى أراض جافة ليرويها وإلى كثبان رملية ليروضها على الصعود و النزول..

كان مشهدا رائعا و ساحرا يصعب اختزاله في كلمات. كانت ليلة بدر كامل يكاد نوره يحجب كل النجوم. يتوسط السماء و يرسم للكثبان ظلا و سرابا، فلا هو بسواد الليل و لا ببياض النهار، كأنه جسر رمادي بينهما، وكأنها ظاهرة وسطية سرية بين تعاقب الليل والنهار. بعد ليلة بيضاء مرت دون نوم و لكنها غدت في راحة تأملية، جاءت اللحظة البينية التي استشعرت خلالها و بعدها احساسا متميزا. انتكس القمر شيئا فشيئا، خافت نوره ليسدل الستار عن بساط من نجوم الليل. انخفض لون البياض عن المكان واسودت الرمال. ساد صمت بالمكان مما زاد من ادراك الحواس لما يحيط بها فارتفعت دقات القلب وهبت لمسة النسيم على الخد و حلت نظرة العين ثاقبة. ولكن الغريب في الأمر أن العقل بات عاجزا عن استيعاب هذه التجربة الحسية في هذا الزمكان البيني. أصبحت الدهشة لحظة تأملية عجز الدماغ عن نقل بيناته وأبعاده واختلطت فيها الأحاسيس الداخلية بين خوف وهيام وبين رهبة و اعجاب وبين نفور والتحام وبين صمت وكلام.

 

انتهت تلك اللحظة ببزوغ أول خيوط الفجر الذي جر عن السماء ألوان بساط نجومها و أعاد للكثبان حلتها الذهبية. و أعاد أيضا إلى العقل طريقة إدراكه المعتادة، ليرجع بذلك فهمه المألوف للأشياء المحيطة به بلونها المعتاد، واستيعابه لأحاسيسه المتناسقة مع الطبيعة، وكأن اختلاف شدة الضوء تغير الحقيقة، ولكن دون أن يسترجع بدقة ما سبق هذه اللحظة أو يفهمها وكأنها حلم غريب الشكل والتكوين أو كأنها حكاية أساطير. إنها لحظة لا يملك النور فيها إلا ذلك النجم البعيد الذي لا يعرف اسمه وشكله أحد، كأنه يتستر على نفسه، لحظة ثقيلة في المعنى والمشهد وخفيفة في الوضوح.

مثلما يكشف النور عن نفسه و عن الظلمات، فإن الحقيقة كذلك تكشف عن ذاتها وعن الخطأ ـ سبينوزا

لم يسعني أن أبقى غير مكترث بهذه اللحظة كما هو الشأن عادة بالحلم المعقد الذي يُنسى لحظات بعد شروق النفس من سباتها، ومحاولة وضع الأمور في نصابها خاصة في سياق ما كان يروج في تلك المرحلة الحياتية من تأجج و تحولات. بدا لي حينها أن ما يتخلل هذا الانتقال الكوني من أسرار يشابه الانتقالات التي نشهدها في حياتنا في مدها و جزرها، في صعودها ونزولها خاصة في علاقاتنا مع الآخر.

 

فتحت هذه اللحظة باب التأجج الذي طبع الآونة الأخيرة فقد فقدت أشخاصا ممن كنت أعتبرهم خلاّنا و إخوانا، دون سابق إنذار أو تفسير. طرقت باب الجواب كثيرا ولم أجد وراءه من يجيب، بل و أجج ذلك العديد من الأسئلة في ذهني أكثر فأكثر….

 

ما الذي يصنع النقلة المباغتة بين أن تكون قريبا جدا من شخص ما ثم تصبح غريبا؟ ما الذي يصنع الفرق بين أن تكون مترددا محتشما وأن تخوض في الشيء بكل جوارحك؟ لما يبدو الارتباط بشخص ما أو بمكان ما محل نشوة و عذاب في وقت واحد؟ ما الرابط بينهما؟ كيف للإنسان أن ينتقل من الإحساس بشيء إلى اللاشيء؟ بين إشباع و إمساك ؟ ما الذي يحصل في هذه الهندسة الداخلية المتشعبة؟ ما الذي يبعثر الامتلاء و يجعله فراغا؟

مقالات مرتبطة

لماذا يبعث انفتاحنا على الآخرين بكل حواسنا من التراجيديا كما يبعث على الانتشاء الروحي؟ ما الذي يفرق بين هذين الوادين؟

ما الذي يصنع الجزئية ما بين الاستسلام ومحاولة أخرى؟

ما سر النبض الذي نريد أن نقترب قبله أكثر و أن نبتعد بعده؟ و ما الذي يطبع هذه اللحظة المبهمة التي تفصل بين الشعور بالصلة والقرابة و الالتحام و الاعتناء و الاهتمام والحب و بين إحساس بالنفور والغربة والابتعاد و اللامبالاة ؟

 

كيف يمكن الإجابة على كل هذه التساؤلات؟ لا أدري. فعساني أجد بداية ما يدلني على استيعاب لحظة السكون هذه ما بين ليلة و ضحاها. ولكن ربما ينبثق هذا عن ذاك، فيكون السؤال بداية الفهم، أو الفهم ذاته يتجلى من خلال تمرين الفكر. فيكون التساؤل هو صلة الوصل بين المجرد و الملموس. و على حد قول بلانشو: «السؤال هو تلك الحركة التي يغيّر فيها الوجود مجراه فيظهر كإمكانية مرهونة بدورة الزمان.» ومحاولة لتفعيل هذا التمرين قد يبدو لنا أن بعض الناس ترجح ردود الأفعال إلى فهم معين للحرية، أن تتعامل كما يحلو لك دون قيد أو شرط من أحد، وإن كان ذلك على حساب الطعن في ثقة الآخرين أو عدم الاكتراث بمشاعرهم.

 

ويرى البعض هذا أمرا طبيعيا لما يطبع عامة الناس من عدم التوازن في الأحاسيس وعدم الثبات في المواقف. والبعض يعزي هذا الأمر إلى الخوف، ويعني ذلك أن ردة الفعل التي توجب النفور أو الهروب أو الإبتعاد ما هي إلا وليدة أفكار مخوفة. وهذا الخوف متعلق أساسا وبالألم النفسي منه أكثر من الجسدي، المتولد ربما من الإسقاط على تجارب غير ناجحة و خيبات. و يؤدي غالبا هذا الخوف الذي يعتري الإنسان خاصة عند لمس تجربة حسية جديدة إلى قمع مبكر لإحساس ما أو إلى الانتكاس السريع لبداية ما، في شكل من أشكال الحياة. إنه خوف من المجهول، أي إلى حد ما خوف من ملامسة الحياة بشكل جديد حسيا و روحيا و جسديا، قد يغلب على صاحبها هذه الفكرة: كيف لي أن أستمتع بهذه اللحظة علما أنها محدودة الزمن وغالبا ما سيتولد عنها ألم و حزن.

 

كيف إذن نجيب على كل هاته التساؤلات. لا أعلم، ولا أظن أنني أقبل بهذا التفسير أو ذاك. وربما حين أشرت إلى البعض من الناس هنا وهناك أقصد أيضا البعض مني، وأشفي غليلي في هاته الفرضيات، ولا أشفيه حقيقة!

 

أظن أننا نسعى إلى تمديد لحظات ننبض فيها بالحياة حين نتشبت ببعضنا البعض وبما يحيط بنا بكل حواسنا. وأننا بذلك نضاهي موتنا المحتوم أو إن صح التعبير نمدد أبديتنا من خلال عواطفنا و مشاعرنا وتواصلنا، وكتاباتنا و موسيقانا و أشعارنا… أظن أننا نطمح بذلك إلى أن نحبس الزمن في لحظة أو في ابتسامة، بين سطرين أو نوتتين، وبين نبضين. أعتقد أن حريتنا الحقيقية تكمن في كوننا قادرين على الوقوف أمام العالم بمدنا وجزرنا، بما يفرحنا ويؤلمنا، و بكُليتِنا، كمن يستطيع أن يعري مخاوفه ليواجهها ومن يبسط عيوبه ليكملها ومن يروي زلاته ويضحك لها. إننا نجتمع في مخاوفنا وآلامنا حين نراها في بعضنا ولا يسعنا إلا أن نتّصل من خلالها و نلتئم عن طريقها.

 

وإذا ببدر ليلتي هذه ينتكس خلف هذا الحديث الكوني و الداخلي قد أجزم أنني رأيت نفسي و نظرت للعالم من خلال هذه الكلمات وهو ينظر إلي عاريا من أي كبر وأية ذِلة، و أن نبض الحياة فيّ ابتدئ في هذه اللحظة.