دروس في الذكاء المالي والاستثمار والابتكار والإبداع

0 922

أعاين منذ مدة، وبشكل لا إرادي، أصدقائي الذين اتخذوا القرار الشجاع الذي يحلم به الكثيرون: الاستقالة من عمل فرض عليهم لكي يعيشوا أحلامهم، ويستثمروا في الميدان الذي يحبونه. ثم أقارن حالتهم النفسية والمادية بأولئك الذين اختاروا لأنفسهم  العمل تحت ظل شركة أو إدارة أو أي عمل مقابل راتب شهري، ولم تكن لديهم الشجاعة اللازمة للتحرر من قيد الوظيفة التي توهم بالاستقرار. ولاحظت أن للفريقين أحلاما مشتركة.

      الكل يحلم بالنجاح والتميز، وأن يكون له بيت واسع في حي فاخر، وأن يملك الوقت الكافي لفعل ما يحب مع من يحب، وأن   يقضي عطله في الجزر والشواطئ الرملية الذهبية السحرية مع زوجته وأولاده، وأن يقوم بجولة حول العالم، وأن يذهب كل رمضان للعمرة، وأن يساعد المحتاج والفقير والمريض والجمعيات الخيرية، وأن يبني المساجد ويحفر الآبار، وأن يدرس أولاده في أعرق  الجامعات العالمية، وأن يرى أحفاده بخير وعلى خير، ثم يموت في سلام بعد أن حقق أحلامه وأرضى الله وعباده.

الكل يحلم بذلك، لكن قلة قليلة تحقق المراد. هذه القلة لا يمكنها أن تحقق كل ذلك بالحلال من المرتب الشهري، فغيرت الطريق، وغامرت بما يسميه المجتمع “الاستقرار”، مقابل أن تعيش ما ولدت من أجله وحلمت به منذ أمد بعيد. هذه القلة هي التي تأخذ بالأسباب وتستثمر مالها في مشاريع تتطلب الشجاعة والمخاطرة وبعد النظر. هذه القلة تفشل ثم تنهض، ثم تفشل ثم تتعلم من الفشل، ثم تنهض ثم تفشل ثم تنهض، ثم تحقق نجاحا بسيطا تبني عليه مشروعا آخر. ثم تفشل فتنهض ثم تفشل فشلا ذريعا. ثم يبدأ الشك يعتري طريقها، ويبدأ الفاشلون يوسوسون لها، ويبدأ اليأس يتسلل إلى قلبها كما تسلل إلى قلوب الحالمين. ميزة هذه القلة أنها تنهض مرة أخرى. الفرق كل الفرق أنها تنهض وسط الظلام والألم والإخفاق وما يقوله الآخرون، لأنها ترى ما لم يره الآخرون، وتوقن بما لم يوقن به الآخرون. تنهض فتفتح الأبوابن فتنجح ثم تنجح ثم تنجح، وتحقق نجاحا يتبعه نجاح إلى أن ترى رأي العين ما كانت تراه في عالم الأحلام.

 

MILOUD-CHAABI-NB-900x560
  المرحوم “ميلود الشعبي”، مؤسس “ينا هولدينغ”، صنف كأغنى رجل في المغرب.

 

مقالات مرتبطة

من ظن أنه سيحسن حاله ويعيش في سعة هو وأولاده في هذا الزمان وهو رهين وظيفة بمرتب شهري دون أن يستثمر من ماله ووقته في مشاريع نوعية ويواجه الفشل المرة تلو المرة، فهو في ما نسميه في الطب بـ”الهلوسة”. الموظف الذي لا يسرق المال العام أو مال الشركة، والذي لا يستعمل منصبه للربح الخاص، يعني بالدارجة المغربية: “اللي كياكل حلال”، لا يستطيع في زمننا هذا أن يصل إلى ما ذكرناه. فهو يساير الحياة فقط ويضطر للاقتراض ليقترب ولو قليلا من المستوى الذي تريده نفسه.

أما بخصوص الحالة النفسية للفريقين، فما يفصل الموظف عن المستثمر هو ما يفصل الأرض عن السماء. عندما تكون موظف دولة، يمر الوقت ببطء شديد في انتظار انقضاء الشهر، بينما يمر بسرعة فائقة بالنسبة للمستثمر بحثا عن المال الذي يغطي به مصاريف مشروعه آخر الشهر. الأول مهدد بالانقراض أو الانتحار أو أكل الحرام لأن غلاء المعيشة يفوق مرتبه. والثاني مهدد بالإفلاس أو النصب لأن التنافسية شرسة ولا تبقي إلا الأقوى أو الأذكى أو الصبور.


Marinus_van_Reymerswale_007
  لوحة فنية ل “كونتان ماتسيس”

 

لهذا أصبحت ضرورة ملحة في خضم الأزمات المالية الحالية أن نلقن أولادنا طرق ربح المال الحلال، بعيدا عن الوظيفة العمومية المملة، أو استعباد خمس نجوم في الشركات أو المشاريع التقليدية المكررة. الجيل القادم لا بد له من دروس في الذكاء المالي والاستثمار والابتكار والإبداع منذ الصغر. أما الجيل الحالي فيجب سد باب القروض القاتلة في وجهه لكي يطلق العنان لإبداعه في الجري وراء خبزه اليومي.

النظرية الشعبية المنتشرة “ادرس جيدا لكي تصبح إطارا في شركة أو موظفا في الدولة، لكي يسمح لك بأخذ قروض بنكية لشراء منزلك” هي نظرية التطور المعكوسة لداروين، لأنها تحول الإنسان الذي أعطاه الله العقل لكي يبدع إلى قرد يفعل ما يفعله الآخرون، وما يقول له الآخرون   في مكتب ضيق حتى يستطيع شراء كيلوجرام من الموز.