جون جاك روسو … السائق

0 597

     أثار انتباهي هذا الصباح منظر شاهدته في إحدى حافلات العاصمة الفرنسية باريس، فبينما كنا نسير في اتجاه أحد الأقطاب الصناعية للمدينة المتواجد ب”فيرساي”، إذا بالثلوج تحاصرنا من كل جانب، وإذا بالجليد يغطي معظم الطرق الرئيسية، فاضطر سائق الحافلة للتوقف والتنحي إلى جانب الطريق، حتى لا يفقد التحكم فتحيد الحافلة عن المسار. كان مشهداً عجيباً وجميلاً في نفس الوقت، كل شيء حولنا إكتسى حلة بيضاء بهية، درجة الحرارة في الخارج تقترب من 7 تحت الصفر، أما داخل الحافلة فدفء جميل.

أثناء انتظارنا قدوم مزيحة الثلوج لكي نتابع مسارنا، يخرج سائق الحافلة كتاباً من جيب محفظته لباولو كويلو، واصل القراءة بهدوء غير آبه بالضجيج الذي يحيط به. أخذت له صورة بهاتفي وأسميته Jean Jacques كناية عن عملاق الأدب الفرنسي Jean Jacques Rousseau ، وواعدت نفسي أن أكتب مقالاً تكريماً لهذا المثقف التي شاءت الأقدار أن يصبح سائقاً للحافلة، بينما في وطني قدر لبعض النكرات الجهال التربع على رأس المؤسسات واحتكار الكراسي والمناصب.

                      hqdefault

هذا مشهد من بين آلاف المشاهد التي تبرهن على الاهتمام المتزايد بالقراءة، و-Jean Jacques هذا ليس الوحيد المهووس بالقراءة والمطالعة، فغيره الكثير الكثير. مشاهد تتعود عليها كل وقت وحين، وأنت تستقل المترو أو الحافلة للذهاب للعمل، في المطعم وأنت تتناول وجبة الغذاء، في الحدائق والساحات، حتى وإن كنت من كارهي القراءة فالعدوى تنتقل اليك رغما عن أنفك. ففرنسا ضمن الدول التي احتلت المراكز المتقدمة في تصنيف اليونيسكو بمعدل 200 ساعة من القراءة للفرد في السنة، في حين أن بلدي حل في مراكز المؤخرة الى جانب دول عربية أخرى بأقل من 3 دقائق من القراءة للفرد !

     1 K5xa0DTTLUGcbsOvx7ET1A

كيف وصلنا للقعر حيث الجهل والتخلف، هي مسؤولية الآباء أولا ثم المعلمين والأساتذة ثم أصحاب القرار والقائمين على الشأن الثقافي، الكل مشارك في الجريمة التي يذهب ضحيتها الجيل تلو الجيل. في الماضي كنا صناع الحضارة، ألفنا فيها مؤلفات وأنتجنا فيها علوماً ومعارف، وما حقبة الأندلس منا ببعيد، ثم ها نحن اليوم عدنا لما قبل الجاهلية، نرجو التصالح مع الحرف والكلمة، ونرجو المجد الذي ضيعناه فيما سيأتي من الأجيال، ولن نعانقه من جديد الا عندما يصبح لنوفل وجواد (سائقا التراموي والحافلة في المغرب) نفس ردة فعل Jean Jacques عند توقف حركة السير أو أثناء إنتظار الركاب … وعندما يصبح أغلب ركاب المواصلات العمومية يحملون كتبا بين ايديهم ويستثمرون وقتهم الثمين عوض “التبركيك” و “حضيان” من يجلس أمامهم !