لوحة الحياة

0 573

حين نقدم إلى هذه الدنيا تكون حياتنا أشبه ما تكون بلوحة كبيرة، لوحة بخلفية تحمل المعالم الكبرى لوجودنا، وهي مجموعة السنن والقوانين والطبائع التي تحكم طبيعتنا البشرية؛ كما أن هذه الخلفية تتشكل من معطيات مسبقة أكثر تفصيلا وخصوصية عنا، تختلف من شخص لآخر، وهي المعطيات الحياتية التي وجدنا أنفسنا فيها ولا خيار لنا أمامها، من قبيل الجنس والشكل والنسب؛ لكن هذه اللوحة ليست مكتملة ولا نهائية، وهذه المعطيات كلها لا تحسم مستقبلنا ولا أبعاد نمونا ولا الآفاق التي يمكن أن تبلغها ذواتنا من نضج ونجاح ورقي، بل هي مفتوحة على كل الإمكانيات والتطلعات والطموحات، وقابلة للتغيير والتطوير إلى أبعد الحدود، وما يحكم كل هذا أكثر هي عوامل أخرى لنا كامل الاختيار والحرية والإمكانية لتحديد وتشكيل معطياتها، ولنا القرار في اغتنام فرصها وتسخير إمكاناتها وإطلاق طاقاتها. لوحة حياتنا هذه نحن الذين نقرر شكلها النهائي، فبيدنا كل الألون لنضع عليها ما نشاء منها وما نختار، ونخط عليها ما نقرر وما نريد أن نكون.

إن حياتنا تحتمل دوما صياغة مختلفة، وقراراتنا أبدا قابلة للتحسين والترشيد. ملهم جدا في هذا المعنى فيلم الأنيمي الدرامي الياباني المشهور “Colorful”، الذي يحكي قصة عجيبة عن روح إنسان حظيت بفرصة جديدة للعودة إلى الأرض بعدما فارقتها، لتستقر في جسد فتى يعيش ظروفا اجتماعية ونفسية صعبة، وتضعها في اختبار وامتحان جديد وحاسم. استمرار هذه الروح في الحياة رهن بالصبر على هذا الوضع النفسي والاجتماعي الصعب الذي وضعت فيه والتكيف معه وتغييره للأفضل، وبتمكنها من اكتشاف الخطأ الكبير الذي ارتكبه ذلك الفتى حين وضع حدا لحياته بالانتحار، والتكفير عن ذلك الخطأ وغيره من الأخطاء بخيارات أقوم وقرارات أرشد وسلوك أفضل في الحياة.

humans-andrea-meyer

المفاجأة أن تلك الروح لم تكن في الحقيقة إلا نفس تلك الروح التي كانت تسكن ذلك الجسد، لكن ببداية جديدة ومسافة مختلفة عن الذات تسمح بالنقد والمراجعة والاعتبار.

الحياة طريقنا الوحيد لبلوغ الدار الآخرة، ولا طريق غيرها لذلك، وهذه الطريق ليست ولا يمكنها أن تكون دائما مفروشة بالورود، فهي دار ابتلاء وامتحان، كما أنها، ومهما ساءت الظروف، ليست كلها سواد وظلمة لا أمل فيها ولا فسحة، وما وجدنا عليه أنفسنا فيها من ظروف وأوضاع لا يمكنه أن يحكم مستقبلنا على نحو كلي، فهذا مناف للعدل والكرم الإلهي، بل إن هناك من ولدوا في ظروف أقرب ما تكون إلى المثالية، لكنهم لم يصيروا يوما أخير الناس ولا أسعدهم ولا أكثرهم نجاحا وفلاحا وعطاء، كما كان يتوقع منهم، بل ربما صاروا أخفق الناس وأوضعهم شأنا؛ كما أن هناك بالمقابل نماذج كثيرة لأناس وجدوا أنفسهم في ظروف حياتية صعبة وقاسية، لكنهم لم يفارقوا هذه الحياة حتى تركوا أسماءهم منقوشة بماء من ذهب على صفحات التاريخ.

مقالات مرتبطة

ثورة الإنترنت

أفيون الشعوب

إن حمد واهب الحياة على ما أعطى، وهو في جميع الأحوال أعظم من أن يحصى، هو أول ما يمكن أن نجمل به لوحة حياتنا، ثم نجعل من ذلك الشرارة الأولى ونقطة الانطلاق لإضافة المزيد من الألوان الزاهية والجذابة على لوحة سيرتنا بالجد والمثابرة والثقة والصبر والخلق الحسن والعطاء وإعلاء الطموحات. لكن حتى يكون هذا ممكنا، ويكون بإمكاننا أن نجمل لوحة وجودنا ونخرجها في أحسن حلة، فنحن بحاجة أولا إلى أن نوجد لها ونبحث لها عن الوسط والبيئة الملائمة التي تساعدنا على ذلك، البيئة التي تنسجم مع مبادئنا وقيمنا، والتي تبعث في أنفسنا التطلع للأفضل والأصلح وتجنبنا مشاعر الإحباط واليأس والسلبية، وإن الضرب في الأرض لإيجاد تلك البيئة واختيار الصحبة الجيدة والصالحة كان ديدن الناجحين والمفلحين على مر الأزمان.

كما أننا في حاجة إلى أن نصحح ما تشكل لدينا من انطباعات ورؤية عن إمكاناتنا وأوضاعنا ونراجع صحة الأفكار والمفاهيم والمعتقدات التي نسترشد بها في مسيرتنا وحركتنا اليومية، فأساس كل تغيير هو تغيير ما بالنفوس.

Maany hope

وإذا كانت الأعمار الزمنية تقاس بالسنوات، فهناك عمر عقلي وعمر نفسي يقاسان بمستوى نضجنا وقدرتنا على إدارة انفعالاتنا وترشيد محاكمتنا للأشياء، وكلما حصلنا ذلك النضج مبكرا، بالمعرفة والنظر والاعتبار بالتجارب، كلما كانت قراراتنا أصوب وما نختاره من ألوان لحياتنا أفضل وأجمل. ثم نؤمن بأن هناك دوما فرصة للتحسن والتقدم وإمكانية لإضافة ألوان جديدة ومزهرة إلى لوحة حياتنا، فتجريب لون جديد أو تجربة مختلفة، من واقع ما نطالعه من تجارب ونماذج ناجحة، يمكن أن يمنح حياتنا منظرا جديدا وصيغة مختلفة ومتميزة. كما أن حرصنا على أن نكون دوما أنصارا للفضائل والقيم الخيرة، يضفي على حياتنا المعنى والقيمة والألق، ويجمل عملنا ويبقيه مستمرا غير منقطع.

لقد حظيت روح ذلك الفتى بفرصة ثانية في الحياة، لكن نحن لدينا فرصة واحدة، مع كثير من الحلم والرحمة والصبر والإمهال من واهب الحياة وصاحب الكمال، جل جلاله، كما أننا رزقنا مع ذلك نعمة الوحي والعقل والخيال والقدرة على تصور العواقب والمآلات؛ فينبغي إذن أن نستغل أحسن استغلال الفرصة التي مُنحنا إياها، مستفيدين مما أتيح لنا من إمكانات ونعم، ونحرص على أن نسلك المسالك ونقف المواقف التي تزين حياتنا بالألوان الباهية وتجمل سيرتنا بالمواقف المشرقة، التي لا نندم عليها يوما ولا نطلب الرجوع ونيل كرة جديدة في الحياة لتغييرها، حيث لا مجال يومئذ لتحقيق ذلك الطلب.

وإذا لم نستطع في النهاية أن نستكمل لوحة حياتنا كما طمحنا لها أن تكون، فلتكن مشروع لوحة مزهرة مشرقة، تعطر سيرتنا في الأولى وتشفع لنا في الآخرة، فنحظى بشرف المعركة إذا ما فاتتنا حظوة الانتصار.