عودة الفارس الأسود

0 588

      عودة الفارس الأسود : هو الفيلم الهوليودي الذي أعاد الرجل الخفاش “باطمان”، الذي بدأ مشواره بطلا في قصة مصورة للأطفال، ثم نجما في أفلام كارتونية، إلى الواجهة و الشهرة … بحيث صنف بعد أسابيع من صدوره من الخمسين شريطا الأكثر مشاهدة في تاريخ السينما و الذي سجل في الثلاث أيام الأولى من العرض في أكثر من 4400 قاعة سينما أرباحا تقدر ب 161 مليون دولار.


    لست من محبي أفلام الأكشن الصبيانية ولا حكايات الخيال العلمي غير الواقعية، ولكني أردت معرفة سبب النجاح الكبير للنسخة الثالثة من سلسلة الرجل الخفاش … الفيلم الذي فاقت تكلفته 250 مليون دولار و بلغت مدة تصويره عاما كاملا في 5 دول مختلفة … فإذا بي و أنا أشاهده على شاشة الأيماكس الضخمة أمام مطر غزير من المؤثرات الخاصة المتقنة، وسيناريو محبوك بدقة يحترم عقل المشاهد، ورسائل مشفرة توحي على أن الفيلم يتعدى كونه مجرد منتوج إعلامي للتسلية و الإستهلاك إلى أداة لزرع أفكار تم طبخها بمهارة في مختبرات هوليوود.

يتقمص الرجل الخفاش دور السياسة الأمريكية التي تتغنى بالديمقراطية والحرية والمساواة … في الفيلم، نجحت هذه السياسة –باطمان- في إخماد ثورة صورت وكأنها متوحشة وهمجية بالرغم من أن هدفها كان هو القضاء على النظام الرأسمالي و إنشاء محاكم شعبية تحاسب كبار رجال الأعمال و مدراء البنوك … وفيه إشارة إلى أن القنبلة النووية التي هددت بلدة “غوتام” هي من تصميم عالم ذرة أوزباكستاني يتحدث الأنجليزية بلكنة ايرانية … وبطبيعة الحال تستعرض الولايات الأمريكية طيلة العرض عضلاتها المفتولة أمام العالم بشرطتها الخلوقة وأسلحتها المتطورة وقوتها وعلمها والكل على أنغام موسيقى العبقري هانس زيمر الرهيبة …

الفيلم يحكي كذلك قصة البطل الخفاش الذي فقد الأمل في نفسه بسبب قصة حب فاشلة … وثابر وعانى الأمرين قبل أن يعود فارسا أسودا يهابه الكبير والصغير في بلدة غوتام التي أنقذها من القنبلة الموقوتة الممقوتة ليرحل بعدها الى مدينة البندقية مرفوقا بمحبوبته المرأة القطة “كاتوومان” التي ستنسيه حتما أحزان قصة حبه الأول.


من المستحيل أن تخرج من هذا العمل الفني الرائع الذي دام ساعتين و نصف من دون أن تتأثر بالكم الهائل من الأفكار التي تدفقت على كيانك … هذا هو سحر السينما و سبب استثمار كبار السياسيين فيها لأنها تصل إلى العقل اللاواعي للإنسان فتنبت فيه الأفكار و تتركها تكبر وتنضج من فيلم إلى آخر.

بعدها بأيام شاهدت فيلم “الفاتح 1453” الذي يقع على الجهة المعاكسة لباطمان كي أحدث توازنا و أنهل من جميع أنواع الفن السابع … دام تصوير هذا العمل ثلاث سنوات في 14 دولة و كلف 18 مليون دولار حيث يعد الأغلى والأكثر مشاهدة في تاريخ السينما التركية ويعد –في تقديري- أحسن ما أنتجته السينما في الدول الإسلامية بعد الفيلم الأنطولوجي “الرسالة“.

maxresdefault

الفيلم يحكي الفتح الإسلامي العظيم للقسطنطينية – اسطنبول حاليا – على يد السلطان المؤمن المجاهد محمد الفاتح في سنة 1453 و هو عمل فني بجودة عالية تضاهي أنجح الأفلام التاريخية الأمريكية ك “بريف هارت ” و “دو باتريوت “ … يبعث فيه مخرج الشريط برسالة واضحة إلى الغرب و الشرق على حد سواء مفادها ان العثمانيين عائدون وبقوة وأن تركية نهضت سياسيا ثم اقتصاديا فجاء دورالنهضة الفنية للتصدي للمد الفكري الغربي الامبريالي القائم أساسا على المادة والشهوة والإستهلاك.

فيلم “الفاتح 1453” يحكي قصة السلطان الذي بشر به الرسول صلى الله عليه و سلم في الحديث “لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها و لنعم الجيش ذلك الجيش” … و فيه من العبر و الحكم و الحقائق ما يثلج الصدر و يرجع الأمل … الفيلم ينشر بعض من قيم الرسالة المحمدية من تسامح بين الأديان و أخلاقيات الحرب و السلم ويوضح بجلاء صفات القائد الذي يأتي على يديه النصر و التمكين.

44664_1
السلطان “محمد الفاتح”

و في يوم ما يخرج علينا مريض نفسي يبحث عن مجد وهمي – بعدما فشل في تحقيقه بحرق القران – بتخرميزة على النت سماها فيلما يسب فيه النبي محمد, فسقط أغلبهم في الفخ و قاموا بأعمال عنف وحرق ومحاولات لاقتحام السفارات الأمريكية.

يا ليتهم تريتوا وعلموا أنه “إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت” ويا ليتنا فكرنا في إنتاج عمل إعلامي عالمي متميز تصرف عليه الدول الإسلامية ما صرفت الولايات المتحدة على “عودة الفارس الأسود” … لكي يعود لنا فارسنا الأبيض و يملأ حياتنا الفنية إيمانا وسلما وأخلاقا وتوازنا وذوقا كما ملأت جنسا و شذوذا وشهوات و مادة و فجورا.