الامتثال و السعادة

0 1٬024

قبل أيام شاهدت مقطعا من برنامج تلفزيوني جاء فيه تجربة حول ظاهرة الامتثال الاجتماعي “conformisme social“، التجربة كالتالي: تدخل فتاة إلى قاعة انتظار في عيادة ما و تجلس إلى جانب أشخاص آخرين تم الاتفاق معهم على أن يقفوا عند سماعهم صوت رنين منبعث من مكان ما في العيادة ثم أن يعاودوا الجلوس على مقاعدهم. تم إصدار الرنين مرتين بينما الفتاة تنظر إلى الناس تقوم و تقعد، و مع إصدار الرنين الثالث بدأت في تطبيق نفس الأمر، و استمرت في ذلك حتى بعد خلو القاعة من الناس.

 عندما سألوها فيما بعد، أخبرتهم أنها شعرت بالإحراج و الخوف من التهميش من الجماعة “Exclusion”، و أنها أحست بالارتياح بعد تقليدها لهم.
هذا هو مفهوم ” الامتثال الاجتماعي” ، أن نقوم بشيء ما، لأن الآخرين يقومون به دون أن نرغب في ذلك أو نفهم السبب الذي يدفعنا إليه، وهو أمر في غاية الخطورة لأنه يجردنا من استخدام العقل الذي حبانا به الله عز و جل ويحولنا من إنسان منفرد بشخصيته وعقليته إلى مجرد فرد من القطيع، مما يقلص من فرص الإبداع و التفوق ويقتل فينا روح الاكتشاف والاختراع، لأننا و بكل بساطة نكتفي بفعل بما يفعله الآخرون.

مقالات مرتبطة

social-exclusion

ليس هذا فحسب، أخطر ما في الامتثال الاجتماعي هو أن يرى الإنسان نفسه بمنظور الآخرين، وأن يصبح كلام الناس و رأيهم فيه هو هاجسه الأول.

لكل منا مفهومه الخاص للسعادة ولكن الشخص الذي يخضع للمجتمع يمكن أن يشعر بالتعاسة من جراء ذلك، لانه عوض البحث عن السبل التي توصله إلى السعادة كما يراها هو، يسعى إلى إرضاء الآخرين. سأعطي مثالا بسيطا و سطحيا حتى أقرب لكم الفكرة، لنفترض أن لدي لقاء مع صديقاتي اللواتي يتتبعن الموضة بشغف، إذا لبست حذاء بكعب عال سأبدو أطول و أكثر أناقة وستثني صديقاتي على ذوقي، و لكن في النهاية ستنتفخ قدمي و ستؤلمني كثيرا، لذا أفضل ارتداء الحذاء الذي يريحني ويمنحني حرية أكثر في المشي.
ما هو الأهم بنظركم؟ رأي الناس أم راحتي أنا؟ بالنسبة لي راحتي أولى.. هذا مثال بسيط، و لكن هناك مجموعة من القرارات المصيرية التي يمكن أن نتخذها تحت تأثير الامتثال الاجتماعي مثل اختيار الدراسة و العمل، اختيار شريك الحياة، تحديد الأولويات في الحياة.. و هذا يؤدي بنا إلى اتخاذ قرارات قد تبدو صائبة بالنسبة لأفراد المجتمع و لكنها لا تناسبنا نحن، و تجعلنا في تناقض مستمر مع أنفسنا.

الجميع يبحث عن السعادة، شخصيا أظن أن مفتاح السعادة هو أن يكون الانسان راضيا عن نفسه و أن لا يهتم بآراء الآخرين أو يخاف من حكمهم عليه، و كما قال جبران خليل جبران “من لم يصنع السعادة لنفسه لن يصنعها له الآخرون”.