بعاهتهم تألقوا

0 992

“إن ما نستطيع أو ما لا نستطيع فعله، وما نظنه مستحيلا أو غير مستحيل، نادرا ما يكون مهمة قدرتنا الحقيقية، إنها على الأرجح مهمة إيماننا بأنفسنا”. تأملت هذه المقولة لصاحبها ألبرت كامو في محاولة لفهم مغزاها لأجدني أستحضر قصصا لأشخاص لطالما تساءلت عن سر تلك القوة التي جعلتهم يبدعون ويتألقون و يسهمون في بناء الحضارة الإنسانية رغم إعاقتهم الجسدية، بل و يتفوقون على غيرهم من الأصحاء.

 

فهاهي هيلن كيلر بعد أن أقنع الأطباء والديها ،وهي لا تزال في مهدها، بأنه لا أمل في أن ترى نورا أو تسمع صوتا أو تنطق كلمة، تنطلق متخبطة في رحلتها الحياتية بروح فضولية تواقة للعلم و المعرفة لتتوجها بإبداعات أدبية خالدة. و هاهو ستيفن هوكينغ بعد حكم عليه المرض بالسكون و الصمت الأبديين يزداد إصرارا و عزيمة ليحرك عالم الفيزياء و الفلك من حوله. و هاهو طه حسين بعد انطفأ النور في عينيه يؤمن بأن النور الذي يشع في خياله و فكره أقوى من الظلام الذي يسكن بصره. وهذا بتهوفن بعد أن هاجم الصمم أذنيه أبى إلا أن يعلن ثورة الأصوات و يملأ العالم أنغاما لتصير أذنه التي يسمع بها. وهذا نيك فويجيك بعد أن فتح عينيه على جسم غريب و بعد أن عجز عن ملامسة ما حوله بأطرافه ينجح في ملامسة قلوب ملايين من الناس عبر العالم و يزرع الأمل فيهم.

_87789934_965eaeab-967e-4d1e-bf15-75438752f556

إنها قصص علماء، أدباء، مفكرون، مخترعون، موسيقيون و غيرهم، لم تكن إعاقتهم باختلافها و تنوعها حاجزا يحول بينهم و بين الإبداع و التميز، فمن كان يظن أن فتاة صماء،عمياء و بكماء كهلين كيلر ستجيد النطق و الكتابة، تتعلم أكثر من أربع لغات، تحصل على دكتوراه من هارفارد، وتصبح إحدى أعظم الكاتبات التي عرفها التاريخ، و أن رجلا مصابا بشلل شامل سيتفوق في مجال الفيزياء ويصبح من أشهر علماء الفيزياء النظري والكوني. و من كان يتخيل أن طفلا فقيرا، أعمى، سيِؤسس جامعتين، يتقلد مناصب هامة، يحفظ القران ويصبح من أبرز أدباء الأدب العربي. و أن شابا أصم سيؤلف أروع سيمفونية في العالم ويشتهر بأعظم موسيقار على مرالعصور. ومن كان سيخطر بباله أن طفلا بلا ذراعين ولا رجلين سيتقن الكتابة و العزف على الطبل، يتعلم السباحة و رياضة التنس ويصير المحاضر التحفيزي الأكثر تأثيرا في العالم.

 

قصص أشخاص تبدو من الوهلة الأولى من نسيج الخيال البشري أو من وحي الأساطير اليونانية، كما تجد البعض يقول عنهم معجزة من معجزات السماء و آخرون أعجوبة من عجائب الدنيا، وما هم بهذا و لا ذاك بل هم ببساطة أناس امنوا بقدراتهم و طاقاتهم، تحدو إعاقتهم بسلاح العقل و الإيمان فانتصروا عليها بالعزم و الإصرار.

 

مقالات مرتبطة

الطريق إلى كابول

اختيار ناضج

تعلم أن تقول لا!

إنهم حقا نماذج ثرية للروح القوية و رموز حية للإرادة الإنسانية.

 

تذكرت حال “المعاقين” في بلدي فشعرت بالمرارة تجتاح صدري، آلاف “المعاقين” و “غير المعاقين” لا تكاد الشوارع تسعهم، تجدهم ملاقون هنا وهناك على الأرصفة و على قارعة الطريق، أمام أبواب الأسواق و المساجد، في محطات الطرق و على متن الحافلات يتوسلون شفقة لا تزيدهم إلا إذلالا و جهلا و ألما. مشاهد كلما تذكرتها زاد يقيني بأن فقدان الشخص لحاسة من حواسه أو لجزء من جسمه لا يعتبر أبدا إعاقة، وأما الإعاقة الحقيقية فهي إعاقة الجهل و انغلاق العقل، هي تلك النظرة المحدودة التي تجعل صاحبها يتعامل مع الحياة من منطلق الضعف و العجز و الكسل.

أؤمن حقا أنه عندما نتخلص من تلك المعتقدات الخاطئة و السائدة عن الشخص “المعاق” و نغير تلك الصورة النمطية التي تصوره على أنه شخص مسكين، ضعيف،مغلوب على أمره إلى غير ذلك من العبارات التي لا تغير من واقع حاله شيئا إلا أنها تزيده أوجاعا ثقيلة وفي أحيان كثيرة أمراضا نفسية و عقلية أكثر تعقيدا، عندما نعلم أطفالنا حب وتقدير أنفسهم و حب الناس واحترامهم على اختلافهم و أن قيمة الشخص تكمن في عقله و قلبه لا في كمال جسمه، عندما نتخلص من إحساسنا بالشفقة تجاه ذلك الشخص “المعاق” وننظر إليه كانسان بل ونتعامل معه على أنه شخص طبيعي، و الأهم من كل هذا عندما نستبدل كلمة “معاق” بكلمة “قادر”، عندها فقط يمكن أن نساعد ذلك الشخص “المعاق” على فهم جزء صغير من حقيقته وينتبه إلى أن الشارع ليس هو مكانه الحقيقي، أما فهمه للجزء الآخر والأكبر من حقيقته فذلك بيده.

 

ألبرت كامو، كلما استحضرت قولتك تلك فهمت أكثر سر نجاح أمثال هيلن كيلر، طه حسين، نيك فويجيك وغيرهم. الآن فقط أفهم الفرق بينهم و بين ذلك الرجل الضرير القابع هناك على عتبة محل تجاري يئسا من نفسه أو تلك المرأة الواقفة هناك على الرصيف وبجانبها عربة مهترئة تحمل طفلة توقفت في أطرافها الحركة، طامعين في مبلغ زهيد يتصدق به المارة، يغدون ضعفهم بالتسول في حين يجهلون أو ربما يتجاهلون قوة عظيمة مغمورة في أعماقهم . نعم – إنها قوة الإيمان بأنفسهم- تلك القوة التي أنعم الله بها على جميع البشر فكان منهم من أهملها و تغافل عنها ومنهم من استثمرها فارتقى و تألق بها.