استعادة جيل التواضع

0 820

منذ القدم، سطرت الرسالات السماوية فكرة حياتية مهمة وسنة كونية ماضية وطبيعة من طبائع البشر، وهي فكرة محدودية الإنسان: محدوديته في فهمه، في إدراكه، في قدراته، في التحكم في أهوائه، في تحقيق متعه، في حياته ووجوده على الأرض. وذلك حتى يستشعر هذا الإنسان ضعفه وافتقاره إلى الله تعالى، ويطلب منه على الدوام الهداية والمعونة والتوفيق فيما يقول ويفعل، وحتى يكون واقعيا في نظرته للأمور والأحداث التي تواجهه خلال مسيرته على هذه الأرض، فالضعيف والمحدود لا يستطيع أن يأتي إلا بأشياء وآراء وأفكار محدودة، ولا يستطيع أن يكون دوما على صواب ولا يمكنه أن يمتلك علما مطلقا ويحيط بكل شيء، ولا يستطيع أن يستقل بنفسه عن الآخرين، كما لا يستطيع أن يجعل نفسه في منأى عن كل مكروه ومصاب.

لكن الفكر العلماني، المسيطر على ردهات الإعلام اليوم، يروج بمقابل ذلك لفكرة مغايرة، فكرة الإنسان القوي الخارق “السوبرمان”، الإنسان القادر على كل شيء، القادر على تحقيق كل أحلامه وكل متعه دونما ألم ولا تعب، الإنسان الذي لن يعجزه شيء ما دام يبحث وينتج فلا حدود لإمكاناته، الإنسان المسيطر على الطبيعة أو السائر في طريق السيطرة الكاملة عليها، الإنسان القادر على مواجهة سنن الكون وقوانين الوجود، المادية منها والإنسانية والاجتماعية، والقادر على تغييرها وعلى وضع قوانين من ابتكاره بإمكانها أن تحقق له الأمن والأمان والسعادة الدائمة، الإنسان المكتفي بنفسه وعقله وطاقاته لتحقيق ذاته وإدارة وفهم وجوده وتنظيم علاقاته وتشكيل قناعاته والتخطيط لمستقبله ومعرفة عواقب أعماله.. ولقد صرنا نشاهد ونسمع عن صور كثيرة من هذا الفكر الغالي في الوقاحة!

 

إن أول ما بات يفتح عليه الصغار أعينهم في مجتمعاتنا هو أفلام كرتونية تدور مجريات أحداثها حول أبطال خارقين، وشخصيات خيالية لا حدود ﻹمكاناتها وقدراتها، لا تنهزم ولا تفشل ولا تضعف، وعلى وجوه كرتونية وأخرى حقيقية، باتت مشهورة ومحط إعجاب صغارنا، تبدي نوعا من التمرد على محيطها وعلى شروط ومعطيات حياتها الواقعية كيفما كانت، تستعرض قوتها وتتباهى بإمكاناتها، وتنافس كل من يواجهها دون أن تجنح إلى السلم، وتتهور لخوض مغامرات هي فوق طاقات وإمكانات الأشخاص الواقعيين.. حتى بات على أرباب هذه الأعمال أن ينبهوا بخط صغير على هامش منتجاتهم إلى السن المسموح بها لمشاهدة هذه الأفلام أو ينبهوا إلى خطورة تقليد شخصيات الفيلم أو محاولة تجريب ما يقومون به، وكأن المشكل يبدأ وينتهي هنا!

8f02700ba720ada8ab5262c1bb8296ce

وقد زاد ترسخ هذا التوجه في فكر كثير من الشباب اليوم بعض السياسيين والمثقفين الذين تغزوا أخبارهم وكتاباتهم المشهد الإعلامي، ينفخون في أقلامهم ويتحدثون بلغة الجزم والقطع واليقين والصواب الوحيد، وخندقة المخالفين والمنتقدين في خندق الخصوم والأعداء؛ وكذلك بعض الأساتذة والمشايخ الذين لا يرضون من طلابهم مراجعة ولا انتقادا ولا إبداء رأي مخالف؛ وبعض الجماعات التي تربي في مريديها مشاعر التعصب ونبذ المخالفين واللامنتمين لجماعاتهم. وعلى صعيد آخر، بات الهم الذي يسيطر على أبحاث المختبرات العلمية البيولوجية هو محاولة اكتشاف وإيجاد وصفات طبية يمكنها أن تزيد من عمر الإنسان وأن تطيل فترة شبابه في محاولة بائسة لإيقاف تحول بشري محتم، وصالونات التجميل التي باتت تتناسل وتغري الناس بتغيير وإخفاء كل علامات الشيخوخة وملامح الضعف، ونوادي كمال الأجسام التي غالت في شروط ومعايير الجسد الرياضي المعتدل حتى باتت محج كل باحث عن الظهور واستعراض العضلات وباحث عن علاج ضعفه الداخلي باكتساب مزيد من أكوام اللحم المفتولة! كما صرنا نسمع عن نماذج أخرى من فكرة الإنسان غير العادي والخارق، من خلال ما يسمى بالبرمجة العصبية وبرامج تنمية الذات المبتذلة التي تخدع كل حالم وتزعم أنها ستجعل منه إنسانا غير عادي في دورة تدريبية من ثلاثة أيام، ودروس القراءة التصويرية التي تزعم أنها قادرة على جعل المرء يقرأ كتابا كاملا في دقائق معدودة، وكتب التعلم في خمسة أيام التي تعد بإتقان لغات العالم في أيام قليلة، زد على ذلك أفلام الخارقين والأفلام الغالية في الخيال التي باتت تتصدر المنتجات السينمائية الأكثر مبيعا، وغيرها الكثير.

 

مقالات مرتبطة

ونحن نشاهد اليوم ونلمس نتائج كل ذلك، في بيوتنا ومجتمعاتنا: جيل ناشئ تشتعل في داخله روح التمرد والتعالي والشعور بالامتلاء الكاذب؛ جيل لا يفتقر إلى ربه، ولا يشكر نعمته عليه؛ جيل ينقصه التواضع العقلي، لا يحترم رأي غيره، ويتهجم على من خالفه، أحيانا إلى حد السباب والشتم، ولا يتقبل النصح والانتقاد؛ جيل يبحث عن كل فرصة ممكنة للظهور والتباهي وإثارة إعجاب الناس ونيل مدحهم، جيل يعطي لنفسه الأهلية للتحدث في كل شيء والمجادلة في ما له به علم وفي ما ليس له به علم؛ جيل يريد أن يحقق كل أحلامه بين عشية وضحاها، بدون تعب ولا مصابرة ولا كد ولا جهد؛ جيل يظن أن في مقدروه فعل كل ما يريد ولا يستسيغ الخسارة والإخفاق، حتى إذا أخفق وواجهته الصعاب، أصابه اليأس والقنوط والإحباط!

 

إن هذه الوضعية المقلقة تستدعي توقفا وتدخلا تربويا وقائيا عاجلا، ولا بد من القول هنا إن كثيرا من المربين يتحملون أيضا جزء من المسؤولية المباشرة عن هذا، فكم من الآباء يبالغ ويظهر مثالية أكثر مما ينبغي وهو يحكي لأبنائه عن بطولاته وإنجازاته أيام طفولته في المدرسة، ظانا أنه بذلك سيستنهض هممهم ويوري عزائمهم، لكنه لم يحدثهم يوما عن الإخفاقات التي تعرض لها ولا الصعاب التي واجهها، لأن الحياة ليست دوما معبدة ومفروشة بالورود، وكيف ثابر وصابر حتى تجاوزها وتغلب عليها إن كان قد فعل، ولم يعترف يوما أمامهم بتقصير أو خطأ بدر منه، بل ربما يعاتبهم إن أخفقوا ويطالبهم بأمور لم يقم بها هو حين كان صغيرا، أو يشعرهم أن الإخفاق لم يطل أحدا قبلهم!

cpck-families-4th-set-by-jennifer-miller1

إن نفسيات الصغار هشة وقابلة للتطويع إلى حد كبير، وإن أي صور ذهنية يتلقونها من محيطهم ستشكل وعيهم ومداركهم وتحكم مواقفهم وتصرفاتهم المستقبلية. لا مراء أن من الجيد والصحي أن نفتح أعين صغارنا وشبابنا على طاقاتهم الكامنة وقدراتهم القابلة للصقل والتطوير، ونبين لهم أن الأفضل دائما ممكن وأن فوق كل ذي علم عليم، لكن لابد بمقابل ذلك أن نعرفهم على حدود الإنسان وحدود قدراته، وأن نشجعهم على ممارسة شيء من النقد الذاتي وعلى الاعتراف بالخطأ عند الوقوع فيه، وتوطين أنفسهم على الصبر والمثابرة وبذل الجهد لبلوغ ما يتطلعون إليه، فليس تمة وصول للقمة من غير هذا الطريق، وإن كان فهو حتما سيوصل صاحبه إلى انتصار مؤقت أو غير مشروع، كما يجدر بهم عدم الاستسلام للإخفاق واليأس من تحسن الحال مهما ساءت الأحوال، فهذه طبيعة الحياة، محدودة مواردها وناقصة كل معطياتها، ولا حلول كاملة في وسط غير كامل.

 

إننا في حاجة إلى بث روح التواضع وتنمية الفكر الواقعي لدى صغارنا، من خلال تقديم القدوة الحسنة في ذلك ومن خلال استغلال الأحداث اليومية للدفع إلى سطح وعيهم بعواقب التهور والتكبر عن التعلم والركون إلى التمني والبحث عن الظهور الزائف والاغترار بالنفس، وتقليل تعاطيهم للمواد الإعلامية التي تصور الحياة جنة تحقق فيها كل الرغبات بضربة عصا، وأيضا من خلال جعل الاعتراف بالخطأ والاعتذار ثقافة شائعة في البيت؛ هذا وينبغي القول إن محاولة بناء فكر واقعي لدى الناشئة محفوف ببعض المخاطر، حيث يمكن أن يساء فهم المربين فتستأثر مشاعر الإحباط واليأس بالصغار، لكن لا بد من فتح أعينهم على حقيقة الواقع بالأسلوب الذي يناسب أعمارهم، فالحقيقة في الرؤية الإسلامية تستوجب دوما الاعتراف والاعتبار، لأن تأثيرها في حياتنا واقع ولا مناص منه. لكننا نستطيع أن نحقق وضعية من التوازن المقبول في هذا الشأن بالعمل على تفتيح أذهان الصغار أيضا على إمكاناتهم وقدراتهم الكامنة وعلى ما بإمكانهم تحقيقه والوصول إليه من الأشياء العظيمة إذا هم اجتهدوا وركزوا وصبروا وثابروا وتقبلوا النصيحة. وهذا هو الكفيل بتنشئة جيل واع ومسؤول يعول عليه، يجمع بين الفكر الواقعي والروح الإيجابية.