عن هوايَ للأندلس أتحدث…

0 1٬573

يسألني الكثير من معارفي عن سر هوسي بالأندلس، فلا يمكن أن يمر العام دون أن “أحج” إلى تلك البقعة الفريدة من نوعها في هذه الأرض، وربما تعلقي بها يفوق تعلق ساكنيها ومعرفتي بها تفوق معرفة بعضهم لها، وفي الحقيقة هذا الارتباط بيني وبينها لا أستطيع أن أفسره، لكنني أكاد أجزم أنني ولدت بجينات تصلني بها وتجعلني أبحث عن أصولها، فبمجرد أن أطأ أرضها أشرع في استنشاق هوائها، هواء الماضي والحاضر، والمستقبل أيضا..

قراءة التاريخ لا تعني لي مجرد ترف ولا استراحة فكرية، بل هو كما يقول ابن خلدون : “هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، علم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، جدير بأن يعدّ في علومها خليق” هكذا أخذت عن أستاذي د. جمال بامي الذي علمي أن أتحدث إلى المعلم حين أزوره، في حوار استقرائي يبوح لي فيها بأسراره وتاريخه، والحوادث التي مرت به، في تركيبة فريدة لفسيفساء الأحداث التاريخية، وهذه الأخيرة ليست مهمة في ذاتها، وإنما ما وراءها من سنن كونية تتكرر، وما يتبعها من نتائج حتمية تتقرر، كما أشار لذلك شيخ العارفين ابن عطاء الله السكندري في حكمته: “لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود و إن تعين زمنه، لئلا يكون ذلك قدحاً في بصيرتك و إخماداً لنور سريرتك “. فالكون كله مناط موعودات الله وسنن الله فيه، حيثما يحترم الإنسان قواعدها، يحصد نتائجها…

حينما أزور الأندلس، يكون من الضروري أن أزور مكانين هما بمثابة الركنين الذين “لا ينجبران” بدم، وأقصد بذلك مسجد قرطبة وقصر الحمراء بغرناطة، وكلما زرتهما، تزيد الإشراقات التي يوحيان بها إلي، وأزاوج فيهما بين أحاسيس الانبهار والحزن، بين الأمل واليأس، بين الغضب والاستسلام… المكان الأول بُني في مراحل نهضة الأندلس وأوج عزتها، والثاني بُني في مراحل أفول عصر المسلمين في الأندلس، ومع ذلك من حيث العمران، فقصر الحمراء أجمل وأبهى وأكثر زخرفة بشكل لا يمكن تخيله، ولا يمكن حصر كتاباته والأشعار التي زينت جنباته، لكن في نفس الوقت، كتاباته ترمز لمبان دون معان، وتستشعر في الحال قوله تعالى: “كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم كذلك وأورثناها قوما آخرين” إنها السنن..

قصر الحمراء لا تكفيه مقالة أو اثنتان، ولا دراسة أو دراستان، يكفي أن كلما تزوره تحس أنها الوهلة الأولى التي تلتقي كل ذلك الجمال، وزيارته لن تنتفع منها إلم تقرأ عنه مسبقا وخبرت ثنايا جدرانه وأسراره وأنصح في ذلك باقتناء كتاب “lire l’Alhambra” لكاتبه José Miguel Puerta Vilchez… الحمراء قصر بدأ بثكنة عسكرية وانتهى آية في الجمال المعماري والهندسي ليس له مثيل. في جدرانه تجد الكتابات التي تدميك وتبكيك وتزكيك وتذكرك بربك، وكذا القصائد التي تشعرك بالفخر وتقف مشدوها أمام إيجاز النظم وتذوق الفهم… “ولا غالب إلا الله” شعار دولة بني الأحمر التي تجدها بشتى الأشكال والخطوط وفي كل جنبات القصر، ثم تجد تعلقا بالله في الجملتين التين أحب أن أقرأهما دوما هناك “يا ثقتي يا أملي… أنت الرجا أنت الولي… اختم بخير عملي” و “الله عدة لكل شدة” الجملتان التي تدمع لهما قلبي كلما نطقتهما، حين أحس بالظروف التي كُتبتا بها قبل 7 قرون كاملة، ثم تجد “الحمد لله على نعمة الإسلام” “أقم صلاتك ولا تكن من الغافلين” “الغبطة المتصلة” “بركة” “يمن” من حسن كلامه وجب إكرامه” “ادخل بحلم وانطق بعلم قلل الكلام تخرج بسلام” وغير ذلك من القصائد الكثيرة التي حبكها جهابذة الشعراء من أمثال ابن الجياب وابن الخطيب وخاصة ابن زمرك.

لكن كل تلك الزينة التي تبهرك في قصر الحمراء تُربط بعصر الدولة النصرية، الذي كان مليئا بالدسائس ابتداء من الأمراء فيما بينهم وصراعهم حول الحكم، مرورا بالوزراء وصراع البلاط والحاشية وانتهاء بعامة الناس، كما كان مليئا بالخيانات، وكم هَمَّ بنو مرين بمساعدة ومؤازة إخوانهم في الأندلس، لكن ووجهوا بالخيانات وجزاء سنمار متكرر… هي دولة كانت تبني المعمار في حين كل علامات السقوط كانت توحي بقرب أفولها… بنو نصر قوم استعجلوا الجنان في الأرض وانصرفوا إلى زخرفة آيات وأقوال بليغة من حيث المبنى دون إشغال تجلياتها ومعانيها على أرض الواقع، وفي ذلك يقول أستاذي شفيق الادريسي : ” …مع العلم أن في الثلاثمئة سنة الأخيرة من تاريخ الأندلس ضعفت شوكة المسلمين بشكل ملحوظ ومخيف، وكانوا مهددين عبر السنوات بالطرد الشامل، ومع هذا الضعف والخطر الكبير والهوان كانت نفسية إخواننا من بني الأحمر نفسية ضدا عن سنن الله تعالى التي كانت تستوجب الاستمداد من الله وعد العدة لمواجهة الخطر، وبالعكس كانت نفسيتهم غارقة في المباني والزخارف، وحجبت بذلك أنفسهم عن النور الإلهي والثقة بالله مع الأخذ بالأسباب والتوكل على الله بالغرق في المعاني، وكانت بذلك تصرفاتهم تصرف الواثق المتشبث بالدنيا فقط، بل حاولوا الإبداع في البناء والعمران والزخرفة والغرور والقصور لبلوغ الجنة في الدنيا وما هي إلا قنطرة لبلوغ المعنى، بلوغ قصور الجنة…”

2069

إن قراءة التاريخ بصفة عامة والأندلس بصفة خاصة، مستلهمين من تعريف ابن خلدون له، يتطلب بدءا استقراء المصادر وتمحيصها وتمحيص كاتبيها حتى نأخذ الحوادث بكل الموضوعية فنحق الحق وإن كان لغيرنا وندمغ الباطل وإن كان علينا… وفي ذلك نستفيد من أبحاث المتخصصين الموضوعيين من المؤرخين والأركيولوجيين، وعلماء الفنون وغيرهم، مسلمين كانوا أو غير ذلك، ثم نعمل ونستنبط ونستلهم ماضينا من أجل حاضرنا ومستقبلنا، من أجل هويتنا وتناسب أعمالنا مع السنن والقواعد الكونية التي تحكم العالم… تاريخ الأندلس هو موضوع جد كبير، حتما سأتناوله في مقالات لاحقة… إلى حين ذلك، أتذكر أبا البقاء الرندي في مرثيته الجميلة الرقيقة:

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ…. فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ

هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ… مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

وهذه الدار لا تُبقي على أحد… ولا يدوم على حالٍ لها شان