موضوعية الصغار!

3 1٬111

إننا معاشر المربين نريد ونطلب من أطفالنا بل ونصر عليهم أن يكونوا موضوعيين ومنطقين وصريحين ودقيقين حين يتحدثون أو حين نطلب منهم تفسيرا لأمر أو سلوك بدر منهم، نريد منهم توضيحا للأسباب والمسببات، والنتائج والمقدمات، بلا مراوغة ولا مبالغة ولا كذب ولا توهم، وقد ننزعج من مبالغاتهم وتحيزهم وسرعة تغير مواقفهم وغلبة الظنون على كلامهم وغلبة عواطفهم على أحكامهم وميلهم مع أهوائهم وربما كذبهم دون شعور بالإثم أو الحرج، ونتلمس بشكل واضح إلى أي حد تصير أقوالهم فاقدة للموضوعية والصواب حين لا يروقهم شيء، ونستغرب من طريقة تصورهم لمشاكلهم ونظرتهم لأوضاعهم وطريقة تفاعلهم مع ما يقع حولهم، ويزعجنا أن نراهم يسلكون طرقا نعرف من معين تجربتنا في الحياة أنها طرق مسدودة؛ فلا يتقبل أحدنا من ابنه مثلا أن يقول نجح صديقي ولم أستطع أنا لأن أباه أستاذ؛ أو فسد كتابي وانكسر قلمي ولا أدرِ كيف حدث ذلك؛ أو يقول أنا لطيف مع أصدقائي لكنهم لا يحبونني ويتجنبون صحبتي؛ أو نحذره من اللعب بالقرب من معبر السيارات ثم يأتي ويقول دهست سيارة كرتي وأنا كنت ألعب بعيدا عن الطريق؛ أو يتشاجر مع أخيه فيصفه بأوصاف سيئة نعلم أنها ليست فيه؛ أو يقول سأؤجل الاستعداد للامتحان إلى الأسبوع المقبل لأن ابن الجيران أخبرني أنه سمع بعض الزملاء في المدرسة يقولون إن الأستاذ مريض وربما سيتغيب غدا!.. لن يتقبل بلا شك أب أو أم سماع هذا من أطفاله، بل قد يغضب لسماع ذلك وربما يعاقب أبناءه، هذا ما لم تساوره شكوك بشأن مستوى قدراتهم العقلية، لأنه يدرك أن هذا كلام بكل بساطة فاقد للصواب والموضوعية والدقة!

 

لكن ما لا يدركه كثير من الآباء والأمهات والمربين هو أنهم سبب رئيس وراء كثير من هذه العادات الفكرية والعقلية والنفسية التي ينزعجون من مشاهدتها لدى أبنائهم ويتساءلون من أين وكيف تعلموها! لا يدركون أن أبناءهم قد تعلموا أن يفكروا وينظروا إلى الأمور على هذا النحو لأن مبادئ وأسس المنطق والموضوعية التي يطالبون بها صغارهم تنقض وتهدم في كل يوم وكل لحظة على مسامعهم وأمام ناظريهم!

istock_000022213366medium_wide-a5491ba3707c94869eb53afdcea0751e74ee6ab0-s900-c85

لنلمس حجم هذا الهدم الواعي واللاواعي المستمر والمتكرر، هلموا بنا نلقي نظرة على بعض المشاهد، من الحياة الثقافية والاجتماعية اليومية لكثير من الناس في مجتمعاتنا، تكشف بوضوح هذا الأمر، وهي مجرد غيض من فيض:

 

– فهذا أحد الآباء تخاصم مع جاره لسبب من الأسباب، وقد كان صديقه المقرب بالأمس، يثني عليه ويشيد بنبله وأخلاقه بمناسبة وغير مناسبة، حتى أن الناس يعتقدون أنه يبالغ في ذلك، فصار الآن بعد أن تخاصما، ومشاعر الحنق تتأجج بداخله يذمه أمام أبنائه، ويقول: جارنا هذا أحمق متخلف عديم الفهم!

– وهذا شخص آخر يشاهد التلفاز مع أبنائه، فعرض خبر عن أطباء غربيين يكتشفون دواء جديدا لعلاج أحد الأمراض المستعصية، وقد مضى عليه قبل أيام فقط أن شكر طبيبه أن وصف له أحد الأدوية المستوردة من الخارج عالج به مرضه، فعلق على الخبر مشككا: هؤلاء محض كفار، كل ما يأتي منهم شر محض لا خير يرجى منه، ذلك الدواء حتما مزعوم ومكذوب، يسبب العقم والعجز الجنسي وأمراض لا قبل لنا بها، يريدون به قطع نسل المسلمين!

– وهذا أحد الجيران قيل له إن لصا ما سرق المنزل المجاور، وليس تمة أية أدلة أو آثار تدل على أحد يمكن الشك به، فقال غير متأن: “أجزم حالفا أنه ابن فلان من سرق، فقد رأيته هذا الصباح يمر بالقرب من المنزل وكان ينظر إلى نوافذه نظرات أثارت الريبة في نفسي”!

– وهذه زوجة اختلفت مع زوجها، الذي كان بالأمس بطلها المحبوب وفارسها المطواع الذي لا يرد لها طلبا، وعلا صوت كل منهما على الآخر، والأبناء ينظرون، فقالت الأم غاضبة: أبوكم هذا سبب كل تعاستي، ما رأيت منه خيرا قط!

– أما هذا فأخ كبير مغمور بالسياسة، طالع خبرا على الجريدة عن تقوية دولة أجنبية لخطوط دفاعها بآليات حربية جديدة وفتحها لقواعد عسكرية جديدة في إحدى مناطق نفوذها، فهمهم قائلا: ليت شعري، ما يحيكه هؤلاء الكفار بالليل والنهار من مؤامرات ضد العرب والمسلمين لا يعلمه إلا خالقهم، لو تركونا ساعة واحدة وشأننا لحلت مشاكلنا كلها!

– وهذا صديق العائلة زار منزلهم، وفي معرض حديثه مع صاحب البيت، وفي حضور ابن هذا الأخير الذي كان ينصت، قال له : إن فلانا ذكرك بأوصاف قبيحة وقال إنك لئيم وبخيل عندما غادرت مجلسنا بالأمس، فما كان من الأب، ودونما تحقق، إلا أن شرع في سبه وشتمه وسرد معائبه!

– ورسب الطالب الجامعي الذي كان يفهم مبدأ “اقتصاد الجهد” على نحو محرف في الامتحانات النهائية، فلم يكن يفتح الكتاب إلا غداة الامتحانات، وحين يفعل يمر على الدروس مرور الكرام ويقامر بينها أيها سيتناولها الامتحان وأيها مستبعد من ذلك لأنها لم تكن موضوع امتحانات السنوات الماضية؛ وحين رسب، ظل طوال اليوم يسب الجامعة ووزير التعليم ويلعن الأستاذ الحقود الذي دائما يظلمه ويعطيه نقاطا تحت المعدل دون غيره من عباد الله، وصار يقول لإخوته الصغار: لم ننجح من قبلكم وقد كنا نكد ونجتهد ونلتهم الكتب، فكيف تصنعون أنتم، لا تتعبوا أنفسكم!

مقالات مرتبطة

– وعلق أستاذ التاريخ أمام تلامذته على تاريخ المماليك ومعارك السلاطين: فقال تاريخنا كان كله أمجاد وعظمة، كان ملوكنا العظام وحواشيهم رحماء برعاياهم، لا يختلفون عنهم كثيرا في مأكلهم وملبسهم ومساكنهم، وهذه المآثر الخالدة بحجارتها الضخمة وزخارفها المترفة التي أمر الملوك بتشييدها ورفعت بسواعد الرعايا، واستخلصت مصاريفها من ضرائبهم، فسكنها الملوك وحشمهم، شاهدة على حضارتهم ورقيهم ومدنيتهم السامقة واتحادهم ورحمتهم ببعضهم، تلك المماليك العظيمة كانت قوية ولم تكن لتسقط لولا الحملات الصليبية الغاشمة التي غدرت بالمسلمين وأخلت بالمعاهدات!

– وهُزم المنتخب الوطني في مباراة حاسمة، فبرر المدرب ذلك أمام وسائل الإعلام، وقال بكامل الثقة: هزمنا بسبب الرياح التي كانت ضدنا ولم تساعدنا على الوصول إلى شباك الخصم، لقد أفسدت خطتنا المحكمة، كما أن حكم المباراة لم يكن منصفا في تحكيمه كالعادة، للأسف!

– وهمس أحدهم في أذن صاحبه لما مرت بجانبه سيارة فخمة لأحد التجار الكبار، قائلا: هذا لم يكن ليمتلك هذه السيارة لولا وجاهته ولولا تحايله على أراضي الدولة، هذا شأن كل أصحاب البطون هؤلاء من دون استثناء، لا تخطيط ولا جهد ولا كد ولا سهر، هذا لا يصنع شيئا غير التعب والبؤس، ثراء كهذا لا تصنعه إلا السرقة والوجاهة والذكاء المارق!

وفاز هذا واغتنى آخر وتفوق ثالث على أقرانه وذاعت شائعة مكذوبة عن رابع وصار خامس محبوبا لدى الناس وتقدم أولئك وابتكر هؤلاء وأبدع آخرون.. وفي كل مرة يقول الناس: “ضربة حظ” أو “ذكاء زائد” أو “خبر يقين فالناس يتحدثون به” أو “مؤامرة مبيتة”!
بعد هذا، حق علينا أن نسأل أنفسنا معشر المربين، وكلنا مربون ومؤثرون بطريقة أو بأخرى: يا ترى، كم أفسدنا في بيوتنا ومدارسنا ومختلف محاضننا التربوية من تصورات وأفهام وعقول بريئة من غير أن نشعر!

 

parent-child-hand

إن أطفالنا طبيعة غير منجزة، وإن هذه المقولات والمواقف والسلوكيات وهذه العادات النفسية والذهنية تقولب على نحو مشوه عقلياتهم. لا بد أن نراقب أنفسنا حتى تكون مواقفنا موضوعية ما أمكن إذا أردنا أن نكون مربين جيدين، فأطفالنا لا يتفاعلون مع ما نقول لهم ومع ما نعرفه ونريدهم أن يعرفوه أيضا ولكن مع ما نحن عليه فعلا في سلوكياتنا ومواقفنا ومشاعرنا، وإن كان من تحد حقيقي وكبير يواجهنا في مهمتنا التربوية فهو بالدرجة الأولى هذا التحدي. لا بد من القول إن التزام الموضوعية والحياد المطلق في كثير من مواقف حياتنا ليس بالأمر اليسير، ولا يمكننا أن نطالب صغارنا بما لا نقوم به نحن، فتربيتنا لن تكون ولا يمكنها أن تكون شيئا أكبر مما نحن عليه، غير أنه ومع إدراكنا لتلك الصعوبة وشرحنا ذلك لأطفالنا، لا بد أن ندربهم ونحثهم، مع تمثلنا نحن للمواقف التي تساعدهم على ذلك، على أن تكون أقوالهم وسلوكياتهم موضوعية ومسنودة بأدلة وبراهين، وأن يكونوا صريحين مع أنفسهم ويبحثوا ويقروا بالأسباب الحقيقية وراء الأشياء، فهذا أمر جوهري وشرط مهم لتأسيس عقلياتهم على نحو صحيح، ولجعل اتجاهاتهم وقراراتهم في الحياة أكثر رشدا وصوابا، وجعلهم أقدر على إيجاد حلول لما يمكن أن يعترضهم من مشكلات وتحديات، وأقدر على رؤية وتلمس الفرص التي تتاح لهم والاستفادة منها على نحو جيد. ولو تأملنا قليلا في تلك النماذج من المواقف التي ذكرناها، وهي شائعة جدا في بيوتنا ومجتمعاتنا، وعرضناها على التحليل والتصويب، لسجلنا ما يلي:

 

– إن كثيرا من ظواهر الحياة تتحكم في وجودها وتطورها عوامل داخلية وأخرى خارجية، والسبب الرئيس لكثير من حالات التدهور والتحلل هو ذاتي بالدرجة الأولى، ولكن الإنسان المفتقد لأسس الموضوعية، كما هو حال بعض المربين، يرد كل الأسباب إلى عوامل خارجية فقط، في محاولة ربما للهروب إلى الأمام وإبعاد أضواء المسؤولية عنه وللتخفيف من بعض آلام العتاب والتقريع الذاتي! ونتيجة ذلك هو أن جزء كبيرا من الجيل الناشئ يعتقد أن السبب في مصائبه ومشكلاته وأوضاعه هم الآخرون وليس هو، والديه وإخوته مرة، وأساتذته والإدارة مرة ثانية، وأصدقائه والمجتمع مرة أخرى وهكذا، وهذا لم يكن ليتعلمه لولا أن محيطه مغمور به!

 

– كما تسود مجتمعنا وبيوتنا ثقافة “تآمرية“، حيث ننزع إلى تفسير كثير مما يجري ويحدث لنا وفق نظرية “التفسير التآمري“، ومن مستلزمات هذا النوع من التفسير اللجوء دائما إلى عادة “الانتقاء” الذي يمكن العقل من القيام بعمله وفق هذه الثقافة “التآمرية”، فنقوم بتأكيد كل ما يعزز الموقف الذي يوافق ذلك التفسير ونفي أو التشكيك في كل ما يخالفه! وكثير من أبنائنا اليوم بات يعتقد أن أهله وأساتذته والمجتمع يقفون ضد رغباته وآماله وطموحاته، وهم يلوذون بأصدقائهم- أصدقاء السوء- الذين يتقاسمون معهم هذا الطرح كما تلوذ الطيور ببعضها في فصل الشتاء، ولا يرغبون في سماع ما يبين عدم صحة اعتقادهم وضعف ما يبذلونه من جهد وتركيز ومثابرة لبلوغ تلك الطموحات!

 

– كما أن اتباع الهوى، وهو أصعب ترسخا ومعالجة من اتباع الظنون، مما اصطلت بلظاه محاضننا التربوية؛ وإذا كان البعد عن اتباع الأهواء صعبا بالنسبة إلى الكبار، فهو عند الصغار أصعب، حيث يميل الطفل مع هواء دون أن يشعر بالذنب أو الحرج، بسبب تأخر نمو الحاسة الأخلاقية لديه، وإن استمرارنا في الانجرار وراء أهوائنا، والتهافت على استخلاص نتائج قطعية من مقدمات ظنية حين ينبغي علينا أن نكون موضوعيين وصريحين مع أنفسنا ومع الآخرين، وخاصة الصغار، سيرسخ هذا الميول لدى أطفالنا ويجعله عادة متجذرة صعبة الاقتلاع!

 

إذن فنوعية الثقافة التي يعيش فيها الإنسان تحدد بشكل كبير آفاق فكره وترسم حدوده، كما تحدد طبيعة تعامله مع الأحداث والمواقف المختلفة وشكل امتصاصه للمعارف والمعلومات الواردة وطريقة تحليله لها وتفاعله معها، ولذلك فهذه الثقافة ما لم تتم مراجعتها وتمحيصها فيمكن أن تصير بمثابة أغلال ترسف فيها عقول أبنائنا، وبدل أن تكون وسيلة للتعلم والتحرر والارتقاء تصير أداة لإنتاج الأخطاء وتكريسها، وهذا يؤدي في النهاية إلى ترسيخ عادات فكرية ونفسية خرافية لدى الأجيال تفتقد لأسس المنطق والموضوعية والتفكير الراشد، ولا بد أن لهذا آثارا سيئة على نوعية حياتهم وجودهم ككل.

 

إن مهمة المربي العظيمة تتجلى في أن يحرر عقل من يقوم على تربيته من كل هذه الطروحات والمقولات والعادات الذهنية والنفسية المنحرفة، ويؤسس لديه بدلها عقلية منهجية سببية، تقوم على الوضوح والدقة والصدق والتبين؛ وحتى يستطيع المربون فعل ذلك، فإن عليهم أن يبدؤوا أولا وبحزم بتربية ذاتية، فيجعلوا من عقولهم الحديدة التي توضع على السندان قبل أن تكون المطرقة التي تصقلها، لتكتسب عادات فكرية سليمة يمكن أن يتفاعل معها الصغار بأمان، وتؤسس عقلياتهم على نحو صحيح، إذا كانوا يهتمون بصحة أطفالهم العقلية!