ذاكرة الزمان

1 1٬118

ترعرعت في أسرة تنحدر من قرية صغيرة بجوار مدينة الرشيدية تدعى تينجداد، قدمت أسرتي بعد مسار طويل من التجوال و الترحال إلى مدينة البيضاء مسقط رأسي، تأرجحنا بين مدن كثيرة في رحلة البحث عن قوت العيش، كنا لا نكاد ننصب خيمة الاستقرار في أرض حتى تنقلنا الأقدار إلى أخرى، حتى أننا احترفنا هواية التنقيب عن “الهوندا” (سيارة نقل البضائع).

في إحدى عطل نهاية الأسبوع من عام 1997، أقلنا والدي في سيارته المتواضعة، نحو وجهة لم نكن نعلم أنها ستكون مدق الوتد و أرض الاستقرار و القرار: مدينة مازاغان.
و منذ ذاك الحين و الزمن يتقاذفني بسرعة يمنة و يسرة، إلى أن غادرت أرض الوطن للدراسة ثم الاستقرار، و مرت 20 سنة بالتمام و الكمال و أنا كلما أردت الترويح عن النفس، حملت أمتعتي و سافرت إلى بلاد بعيدة، و لم يكتب لي اكتشاف مدينة الجديدة الساحرة و رؤية مآثرها و تراثها البرطقيزي العتيق.

 

في يوم من أيام فبراير الباردة أشرقت شمس الصباح و أشرقت معها شعلة الاكتشاف في نفسي المتقدة بحب مدينتي، فخرجت في أول ساعات الصباح متجها بشوق كبير نحو القلعة البرتغالية (الملاح). جذبني باب المسقاة البرتغالية الخشبي الكبير بحلقته الحديدية التي يكسوها أثر الصدأ. دخلت رفقة زوجتي، اشترينا تذكرتين، و إذا برجل قصير القامة، طاعن السن يقف علينا و يحيينا بكلام تعلوه الحلاوة و الطلاوة، ترق الأذن لسماع ذبيبه العذب : “سيدي، لالة، صباحكم مبروك… زوج دقايق من وقتكم نوضعكم فالسياق التاريخي د السقاية… هاد لا ماكيط لي كتشوفو قدامكم هي نموذج البناء الأول ديال القلعة البرتغالية في أوائل القرن 16“… و بدأ السرد. قصة القلعة و السقاية لا تهم بقدر ما تهم قصة هذا الرجل الذي سميته “ذاكرة الزمان“. لاحظت ذهاء الرجل و إلمامه بتفاصيل الأحدث و الأزمنة و الأمكنة، فدفعني الفضول إلى شخصنة الحوار و الدخول معه في نوستالجيا حياته.

atthegates

سيدي عبد الجليل البوعلامي المزداد سنة 1938، مراكشي الأصل عاش أوائل سنواته في المدينة الحمراء، ثم انتقل به والده و هو في ريعان طفولته الى مازاغان حيث أتم دراسته في احدى المدارس المعروفة اليوم باسم “الرافعي”، كان يطلق عليها أيام الاستعمار الفرنسي
« l’Ecole Musulmane d’apprentissage »
أتم تعليمه الأصيل هنالك ليبدأ العمل سنة 1952 في الحي البرتغالي كمرشد سياحي غير رسمي، ليلتحق بعد ذلك بالمسقاة البرتغالية كمرشد رسمي ملحق بوزارة الثقافة في أول ظهور لها بعد خروج الاحتلال. قامة قصيرة، وجه ملأت محياه التجاعيد و ظهر أحناه الدهر و ثقل السنون. كلامه واضح المخارج مفرز الكلمات تكاد تجزم أنه لابن العشرين أو الثلاثين. يتكلم عن القلعة و كأنه عايش فترة البرطقيز أوائل القرن السادس عشر، يتكلم عن المنارات الأربعة و أماكنها حول سور القلعة، عن الكنيسة المشهورة، عن باب القلعة، عن المدافع الحديدية و البرونزية، و عن المسقاة كيف كانت تملأ و تفرغ من مياه الأمطار حتى إنه يصفها بالتفاصيل الدقيقة المملة : “المسقاة أولدي بناوها البرطقيز عام خمسطاش لمية و ربعطاش، كانت فالأول مخزن ديال السلاح، قبل ما تولي مطفية كيخزنو فيها الما ديال الشرب… السقاية اولدي تبنات على شكل بيت خزين فيه 34 ميترو على 34، وهازينها 25 بودرة (أي عمود)، و كتهز 3 د المليون لتر ديال الما”.

مقالات مرتبطة

اختيار ناضج

تعلم أن تقول لا!

إطلالته على العقد الثامن من عمره، لم تأخذ شيئا من قدراته الذهنية و العقلية، تحس و كأنه يساير العصر بذهاء كبير لدرجة أنه يقترح عليك حتى مكان أخذ الصورة التذكارية و إن كان من الأحسن أخذها بالفلاش أو بدونه حتى يظهر انعكاس الأشعة المنبثقة من سطح المسقاة.

للزمان ذاكرة تحفظها له أذهان و عقول هؤلاء المسنين الذين وهن العظم منهم و اشتعلت رؤوسهم شيبا، يزيدهم إهمالا نظرة الناس بالتحقير إليهم و تخلي المسؤولين عنهم، بدأت مناجل الانقراض تحصد صفوفهم، بسبب ضعف المتابعة الطبية و قلة الاهتمام بحالاتهم الصحية و الاجتماعية. أبناء الثلاثينيات و الأربعينيات من القرن الماضي، المؤرخون الأقحاح، خازنو كنوز الماضي و الشاهدون الحقيقيون على الأماكن و الأزمان و الأحداث. وجودهم تراث ما بعده تراث، يلقنون التاريخ بالمشافهة و الوصف الميمي حتى يخيل إليك أنك تعيش قبل قرون مضت.

حضورهم أنبل من ذلك البناء المتهالك الذي يتم ترميمه ليبقى شاهدا على عبق حقب مضت… فالحجر يرمم، لكن الإنسان لا يرمم.

قصة سيدي عبد الجليل البوعلامي، ليست إلا نموذجا من قصص هؤلاء الرجال الذين يحملون التاريخ الثقيل فوق أكتافهم، حتى إذا أنقض ظهورهم، و أثقل كواهلهم، رمى بهم الإهمال إلى غياهب النسيان، فدفنوا تحت الثرى و دفن التاريخ معهم.

ختمنا زيارتنا المحملة بأشجان الحنين و الحب للإنسان و المكان، فارقنا القلعة على أنغام دعوات رسمية كتلك التي يدعو بها أئمة المجالس العلمية و علماء الدروس الحسنية، و كلنا شوق للعودة إليها في مستقبل قريب بإذن الله، راجين من الرحيم الودود أن يحفظ سيدي عبد الجليل و أمثاله من حفاظ تراث المملكة، و يكرمنا بلقائهم و الاستئناس بحكيهم مرات و كرات.