الحق والباطل… ذاك الصراع الأبدي

0 1٬444

في البدء كان الحق، وكان الحق وحده… ثم ظهر الباطل لابسا جُبة الصالحين، فبطُل صاحبه بعد تكبره، وأقسم بعد ذلك على محاربة من كلفه الحق بحماية الحق والذود عليه وهو أبونا آدم، والدعوةِ إلى الباطل في عقبه، فكان إيذانا ببدء صراع أبدي، صراع أطلق شرارته الأولى على الأرض قابيل وهابيل، ولن ينتهي أبدا إلا بفناء هذا العالم: تلك هي القصة التي نعيشها منذ نشأة البشرية، ومدارها أن يكون كل واحد منا في أحد الطرفين، الحق أو الباطل…

لكن ما هو الحق؟ الحق بدءا اسم من أسماء الله الحسنى عرف الله به نفسه بأنه هو الموجود حقيقة، المتحقق وجوده وألوهيته، الكامل في أفعاله وصفاته، فكلامه حق وقضاؤه حق ووعده حق وشرعه حق.  وعرف اللغويون الحق على أنه الثبوت والوجوب، والأمر الثابت، وهو وسيلة لتحقيق مصلحة مشتركة مقررة بقانون، وعرفه الفقهاء على أنه الشيء الثابت الذي منحه الشرع لكافة الأفراد على حد سواء وألزموا باحترامه… غير أنه مع وضوح معناه مما سبق ذكره، قد يلتبس علينا الحق من الباطل أحيانا، وقد نميل إلى الباطل في حالة ضعفنا رغم وعينا ومعرفتنا به، وأحيانا أخرى وفي مناسبات كثيرة، قد نتبع من ينطق الحق وحقيقته تبطن الباطل، من نراه في هيأة الحمل وهو ذئب يحمل في طياته كل صنوف الشر، لذلك أُمرنا أن ندعو دوما بدعاء “اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه” تبينا للحق وتمييزا له من الباطل وأصحابه الظاهرين والمتلبسين لباس التقاة !!

مقالات مرتبطة

في كتاب الله الذي يخاطبنا عبره، نرى الثنائية القطبية بين الحق والباطل مقررة في كثير من السنن والقواعد، من مثل القاعدة الكلية لهذا التدافع في قوله (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) أو مثل قاعدة زوال الأمم بالظلم (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين) أو تلك التي تحدد نتائج الصراع  مثل (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) ومنها (وكان حقا علها نصر المؤمنين) الذين اختاروا جانب الحق دوما…هذه القواعد والإشارات الكثيرة من الله في مكنون كتابه هي في الحقيقة دعوة لابن آدم أن يختار معسكر الحق ويصطف فيه، ونفهم هذا الأمر جليا حين يحدثنا ربنا عن أصحاب الأعراف الذين حُبسوا بين الجنة والنار لسلبيتهم، أولئك الناس الذين عرفوا الحق والباطل لكنهم لم يحسموا أمرهم لصالح الأول، فكأن الله يحذرنا في هذه السورة المليئة بقصص انتصار الحق على الباطل من اختيار سبيل الحياد، فقد نكون أناسا طيبين، لكن عندما نكون في موقف اتخاذ قرار نصرة الحق نتخاذل عنه !!

إن الوقوف في صف الحق ليست بالمسألة التي لا تعنينا، بل عكس ذلك، هي تكاد تلامس كل جوانب حياتنا اليومية، فمساعدتك للفقير والعطف عليه حق، وعملك الخيري حق، وكلمة صادقة حق، وصرختك ضد الظلم حق، وخدمتك للصالح العام وبني وطنك حق، وصبرك على أذى الخصوم حق، وسعيك لوحدة الأمة ومحاربتك لمثيري الفتنة والفرقة حق، ورفضك لمن يهيمن على مقدرات الأمة لصالح قلة قليلة حق، واستنكار من يضرب هويتك ويخدم أجندات الأعداء حق، وفضحك للمطبعين ونصرتك لفلسطين وقضايا الأمة بصفة عامة حق…فأنت في شأنك اليومي، تكاد تكون في اختيار دائم للانضمام لموقع الحق من عدمه، وإن فعلت، فأنت في حالة من التدافع الإيجابي لا تهمك النتائج بقدر ما يلزمك تأدية مهمتك، فقد تأتي فترات ويكون الحق صادحا ويخنس الباطل فتكون منتصرا، وتأتي جولات تكون الغلبة لهذا الأخير، لأنهما دوما في حالة كر وفر…أما غير ذلك، فليس أسهل من أن يكون لك دخل شهري وتعكف في منزلك تأكل وتشرب دون أن يكون لك أثر نافع في هذه الدنيا، فتموت دون أن يخلد اسمك !!

غير أن أصحاب الحق في تدافعهم مع الباطل لا ينبغي أن يكونوا سذجا، فخصومهم يتكالبون عليهم من شتى المشارب والأطياف، لأن الباطل له طرائق متعددة، والحق هو صراط مستقيم موصول بنبع واحد.  وعليه، فهم مدعون لبذل الوسع كل الوسع ف”لا يكلف الله إلا وسعها” تقتضي التماس طرق التميز واستنفاذ كل آليات الجهد المادية والمعنوية التي تستلزمها في هذا الصراع اللامتناهي، والنهل من النبع الصافي الذي نستمد منه جرعات الحق والعزة والنصر دونما وجل.

هي إذن دعوة لاستنفار العقل والقلب دوما للبحث عن الحق وتبينه حقيقة والاصطفاف بجانبه مبدأ وفعلا في جميع المجالات والمواقف التي أقامنا الله فيها…