التعليم أولا.. لكن كيف؟ 

0 513

كثيرا ما نسمع و نقرأ عن أناس يتكلمون عن نظامنا التعليمي و ينتقدونه، و عن مدارسنا و سوء أحوالها، و عن الأساتذة و المناهج و المواد و الكتب و المحفظة الثقيلة و بعد مسافة المدرسة في العالم القروي و قلة التجهيزات و الموارد المالية النادرة و النتائج الغير مرضية و الغش في الامتحانات و و و و.. و اللائحة طويلة..

لكن السؤال، هل يمكن لدولة مثل المغرب أن تحل هته الاشكالات كلها للتغيير من الوضعية الراهنة للتعليم بالمغرب؟ أضن أنها مسألة بعيدة المنال. لكن يمكن القيام بشيء يجعلها قريبة المنال و ممكنة في مراحل. لكن أريد التأكيد على شيء معين، إن الانسان الذي نراهن عليه اليوم للتحسين و التغيير هو بنفسه المسكين نتيجة النظام التعليمي الحالي.. أي العنصر البشري دخل في دوامة يصعب الخروج منها و فاقد الشيء لا يعطيه.. لكن دعونا نكن إيجابيين لما تبقى في حياة المقال و نسافر إلى مكان يبعد عن المغرب بحوالي 7770 كلم، و بالضبط إلى ولاية هاريانة بالهند. لماذا اخترت هدا المكان دونا عن غيره؟ و الجواب في النقاط التالية :

    • أولا : تعداد سكان الولاية حوالي نفس تعداد سكان المغرب في مساحة حوالي 3/4 مساحة المغرب من طنجة الى الكويرة، عاصمتها سانديكاغ (الرباط) و اكبر مدينة فيها و كذلك أهمها هي فريد آباد (البيضاء).
    • ثانيا : عدد الأطفال المتمدرسين بها هو حوالي 2,2 مليون طفل اي نصف تلاميذ المغرب كله.
    • ثالثا : بها 100 ألف معلم و معلمة أي أقل ب70  من المغرب و بها 10 آلاف مدرسة اي أكثر من المغرب كله ب 700 مدرسة. هي ارقام قديمة بعض الشيء لكن لها مدلول كبير.
    • رابعا : الهند عموما و هريانة خصوصا فقيرة و ليست لها إمكانيات مالية تمكنها من الاستثمار في قطاع التعليم و الحل المالي الوحيد هو الاقتراض.. أي نفس حالة المغرب..

إضافة انه من يريد تعليما جيدا بهاريانة عليه بالمدارس الخصوصية و السبب هو المستوى الجد متدني للأطفال المتمدرسين حيث 80% لا يجيدون كتابة جملة مفيدة في سن الثامنة.. و هو شيء غير مقبول بتاتا بل و كارثي أيضا.. و هو وضع يشبهنا كثيرا.. لكن، و في هذه المرحلة من المقال، أريد أن أخبركم أن الوضع المذكور في هاريانة الهندية صار من الماض.. كيف و متى و من و بكم هو ما سننتقل اليه الآن. لكنني أودّ أن أذكر قبل هذا أن التغيير لا يتم بعملية نقل أو استيراد تجربة بعينها بإرسال مدراء و أساتذة أو مسؤولين قصد التدريب على ذلك ثم إسقاط التجربة حرفيا.. الموضوع مخالف لذلك تماما، بل المقصود هو الاطلاع على التجارب قصد الإلهام لا أقل و لا أكثر لان التغيير الحقيقي و المثمر و الدائم لا يأتي إلا من الداخل و خصوصا إذا أعطينا فرصة و قيمة حقيقية لمواردنا البشرية و ليس فقط فرصا تبقى حبرا على ورق.

مقالات مرتبطة

في بداية سنة 2011، قامت السيدة سورينا راجن مديرة أكاديمية التعليم بهاريانة بمحاولات عدة للنهوض بمستوى التعليم في ولايتها، لكن الفشل كان حليفا و سنذكر السبب فيما بعد، الى أن اتصلت بالسيدة سيما بانصال، الخبيرة في مجال التغيير و التأثير الإجتماعي في منتصف سنة 2013. تأكد لنا سيما أن الكثير من الناس يعتقدون أن الإداريين عموما لا يستطيعون أو لا يريدون التغيير و هذا ما سنبين عكسه.
جمعت سورينا فريقها حول الخبيرة سيما قرابة الاسبوع بغية الخروج بحلول عملية و خارطة طريق للتغيير من حال التعليم في الولاية، لكنها فوجئت بعد أسبوع بكم هائل من الأفكار تعد بحوالي 50 فكرة و مقترح.
هنا يأتي دور الخبراء و تدخلت الخبيرة سيما حيث قامت لأول مرة بالتدخل مباشرة في طريقة عمل المجموعة عبر تحسيسهم باستحالة إنزال او تطبيق برنامج تغيير من حوالي 50 مقترح عملي.. It Will simply dont work
ما كان ينقص فريق العمل برأي سيما هو الرؤية الموحدة. الخطوة الموالية كانت عبارة عن طرح سؤال واحد و بإجابة واحدة : ما هو تحديدا الامر الذي تريدون الوصول اليه بحلول سنة 2020؟ أي بعد سبع سنوات.. تسمى هذه التقنية ب name It And visualize It أي سمي الشيء و تصوره متحققا أمامك. هكذا تمت غربلة الأفكار الخمسون و ثم الاحتفاظ فقط بالافكار التي تتماشى مع ما اتفق عليه من رؤية موحدة ثم بدئ العمل. لا أودّ الدخول في التفاصيل، لكن اهم ما اتسمت به خطة العمل الناتجة عن هذا الاجتهاد هو أن التغيير لن يكون إلا من داخل المؤسسة التعليمية كنواة..

ما يلاحظ في كثير من البلدان التي يعاني نظامها التعليمي هو شيء مشترك، و المغرب ليس حالة استثنائية هنا، هو أن المعلم غالبا ما يفعل حرفيا ما يطلب منه فهو مطالب بتنزيل برنامج معين بأهداف معينة في إطار زمني محدد. لم يترك مجال للاستاذ للخروج عن هذا المطلوب و عملية التفتيش ليست مبنية إلا على مقارنة ما قام به الاستاذ في الفصل مع البرنامج المحدد. في هذه الظروف نحن لا نحتاج لانسان كي يدرس لكن لآلة شبيهة بتلك التي نأخذ منها كوب القهوة لان برنامجها واضح و محدد لا تستطيع الخروج عنه. لا يا أيها السادة المسؤولون عن النظام التعليمي منذ عشرات السنين، الاستاذ طاقة بشرية يجب فتح المجال لها لتنطلق فتبدع و تتواصل و تتعاون و تخترع و تتصور و تجرب و و و.. و لا أتكلم هنا عن الاستاذ كفرد معزول، بل كجزء من فريق النواة التي هي المؤسسة التعليمية لها مشروع أو مشاريع ربما مختلفة عن مثيلتها التي في الحي الاخر أو في الجزء الاخر من المدينة او حتى تلك التي في مدينة أخرى. صحيح أن الامر سيُصبِح شيء ما صعبا على المفتشين، لكن هل راحة المفتش هي الأصل أم التلميذ الذي سيستفيد من هذا الإبداع المتجدد في حلة مختلفة عن ما عهد الى حد الان، حلة تبعت بالغثيان من شدة النمطية القاتلة، صفوف كأنها ثكنات عسكرية و أشياء تتردد على المسامع مثل الاغنية القديمة على أسطوانة حافية من كثرة استعمالها.. ذلك هو حال الاستاذ و الامر ظاهر للعيان. عكس ذلك هو فتح المجال للابداع و التغيير في هته الحالة سياتي من الأسفل و ليس من فوق.

ان المدرسة عبارة عن خلية نحل رأس مالها الحقيقي هو مواردها البشرية و ليس المادية أساسا. خلية يهمها بالأساس قيمة وجودة ما تنتج بشكل جماعي و منسجم و ليس على نحو فردي، جائزتها الحقيقية هي التحصيل الدراسي و العلمي أولا بلا شك، لكن الأهم من ذلك هو المهارات التي سيكتسبها التلاميذ و الشخصية التي طورت لذا الأولاد و البنات. غير ذلك فيجوز القول أن المجهودات ذهبت سدى و لن يتغير الحال و يبقى الحال على ما هو عليه، و على المتضرر أن ينتضر قوما آخرين ينزلون من السماء كي يقومو بالتغيير من أجلنا، لكن كل ما أخشاه أن يكون الاوان قد فات.

رجوعا الى هاريانة، الاكيد هو ان المسؤولة عن القطاع و فريقها قمت بالعمل المطلوب أساسا إلا و هو الاجتهاد في إيجاد موارد و معدات و مواد تضع رهن إشارة المدرسة النواة، لكن الاستاذ هو من يعلم فعلا متى يستعمل الأشياء و في أي مرحلة من العملية التعليمية و على أي شكل لانه هو من يقضي الساعات من التلاميذ و هو أدرى بحالهم. أما المسؤولة بدورها فتضيف على ذلك كله تنظيم الدورات التكوينية التي لا تتوقف على مدار السنة نظرا لطبيعة المجال الذي على أساليبه أن تتجدد بالموازات مع التغيرات التي تحصل في المجتمعات. فمجتمع اللوحات الالكترونية يختلف و بدون أدنى شك عن تلك المجتمعات التي خلت، و التي كانت تضيء بالشمع و تستعمل اللوحة الخشبية و الطباشير.

إذن التغيير في مجال التعليم أمر له أهداف و طرق و أولويات عملته الأهم هي الاجتهاد الفردي و العمل الجماعي الذي يبدئ من الأسفل و ليس من الأعلى الى الأسفل Top down، دور أعلى الهرم اليوم بلا شك أن يمرر المشعل لا أن يحتفظ به كي يأخد معه الصور التذكارية كل زمن و حين ثم يُطفئ شعلته إلى إشعار آخر خوفا عليه من الضياع و الاتلاف..