بدأنا مما انتهى إليه الآخرون

0 528

بدأنا مما انتهى إليه الآخرون، و انتهينا حين بدأ الآخرون. عندما كان “جيمس وات” يضع أول تصاميمه للمحرك البخاري الذي كان شرارة الإنطلاق للثورة الصناعية بإنجلترا، و منها إلى باقي دول القارة العجوز، لم يكن يفكر في نوعية الملكية التي تحكمه، أهي برلمانية أم دستورية، لم يكن كذلك “أديسون”، وهو يصمم مصباحه ليضيئ به العالم، يهتم أي نظام يحكمه أهو جمهوري أم ملكي، هؤلاء و مجتعاتهم كانوا يوقنون أشد اليقين أن نهضتهم لن تكون أولا إلا بنهضتهم العلمية والفكرية و الأدبية.

لست هنا بصدد الإحتفاء بالحضارة الغربية و تمجيدها، لكن للتاريخ نواميس و قوانين و منطق يسير عليه منذ بدء الحضارات و الأمم. هاته القوانين تقضي بأن قبل كل نهضة في أي مجال، يسبقها إعداد و تكوين للعنصر البشري بحيث تجد النهضة منذ ولادتها من يقودها و يسير بها، باستمرار و بدون انقطاع، نحو الهدف المنشود و الذي هو تحقيق العدل الإجتماعي بين بني البشر، العدل بمعناه المطلق والشامل للفكر و الإبداع و التعليم و الإقتصاد و كل مناحي الحياة.





إن كل نهضة تسعى وراء هذا الهدف الذي ذكرنا سالفا، دون أن تخلق أولا مجتمعا محتضنا واعيا و مدركا لأهميتها، تحكم على نفسها بالموت من الداخل، حيث يمكن أن تُهدَم من طرف المجتمع نفسه الذي أتت من أجل نهضته و علوه. و أقصد بالوعي هنا، الوعي المعرفي و الأخلاقي و الديني خصوصا، لما يربي هذا الأخير في الإنسان من بواعث الخير و ضمير حي يؤمن بالجزاء و العقاب.


لا يمكن التحدث الآن في مجتماعاتنا العربية عن مفاهيم الديمقراطية و العدل و النهضة بغية محاولة تنزيلها و تطبيقها، خصوصا أمام مجتمع يزخر بأشكال عديدة من الجهل و التخلف الفكري و الإبداعي. فهذا المجتمع، بهاته المعطيات، هو من سيقف بجهل، جهلا لا يعذر به، أمام نهضته و تقدمه، ظنا منه أنه بصدد الإصلاح.


إن ما نعيشه اليوم في المغرب هو مثال حي لكل ما ذكرنا سابقا، حيث هناك فئة أرادت أن تأكل الكتف قبل نضجها، فنادت مجتمعها بالديمقراطية و النهضة، ونسيت أنها أمام مجتمع أغلبيته لا يقرأون ولو كتابا في السنة، مجتمع معظم أطفاله يعرفون من أسماء اللاعبين ما لايعرفون من العلماء و المفكرين، مجتمع ينتج من علب السجائر ما لا ينتجه من الكتب و البحوث العلمية. إننا يجب أن نبدأ من حيث انتهينا يوما و بدأ به الآخرون، ألا وهو العلم و الوعي و المعرفة، لا أن نبدأ بمفاهيم الديمقراطية و النهضة التي انتهى إليها آخرون و نريد أن نبدأ بها نحن.