اللعب أولا وثانيا

0 978

ترددت قبل كتابة هذه الأسطر لأنني ناقشت الموضوع مع بعض الأشخاص من مختلف الانتماءات المجتمعية و الثقافية، و لم تلق فكرتي ترحيب أغلبهم بل على العكس لقيت استهجانا كبيرا لأنه حسب تقييمي المتواضع، جلهم خريجو نفس المدرسة، تلكم المدرسة المغربية التي لم تعد لها معالم واضحة و هي عبارة عن نسخة ممسوخة من مدرسة معينة أجنبية أصابها تحريف عشوائي خلال الخمسين سنة الماضية. في جميع الأحوال، ما نراه الآن في مدارسنا يعد في نظري اغتصابا للطفولة و سأظهر ذلك من خلال الإجابة على السؤال التالي : إلى ماذا يحتاج طفل في سن مبكرة و الى حدود السنة العاشرة؟

خذوا مهلة للتفكير قبل تتمة المقال.. لكن أتمنى أن تجيبوا عن السؤال واضعين أنفسكم مكان الأطفال. أظن أن الجواب واضح : اللعب ثم اللعب ثم اللعب..

وجد الأطفال في هذه السن لكي يلعبوا أولا و لا تكتمل سعادتهم إلا و هم يلعبون. و نظرا لكون الكبار من يخطط للصغار، ظننا أن دفعهم للتعليم و التكوين باكرا سيساعدهم على الحصول على مستقبل جيد و مردودية عالية. لكن كبارنا أخطئوا التقدير لأن مثل هذا الكلام ليس مقبولا الا عند الكبار، لأن للصغار رأي مخالف. الفكرة هي أن ماهية المدرسة المغربية و مثيلاتها اليوم لا تفكر في حاجيات و تطلعات الأطفال أنفسهم، حاجيات لا يعلم معظم كبارنا أنها حاجيات أساسية لنفسية أطفال اليوم الذين سيصبحون رجال و نساء الغد فيصبحون كبارا يحددون بدورهم مصير أطفال الجيل الذي يليهم. فاقد الشيء لا يعطيه ولن نخرج من هذه الدائرة المغلقة.. أرجع إلى فكرتي و هي كالتالي: بعد الولادة يحتاج المولود إلى حنان الأم و الأب و الجد و الجدة، ثم يصير طفلا يحتاج إلى اللعب بقدر ما يحتاج إلى التنفس. تواكب هذه المرحلة بالتربية على القيم و الأخلاق الحميدة و احترام كبير لقواعد اللعب Fair play، و حبذا لو كان اللعب مصاحبا بالتحديات Challenges، لكي يتربى الطفل على وضع الأهداف و التخطيط للوصول إليها planing and object oriented، و لا بأس بالمكافئة على المجهودات و التشجيع في وسط يتواجد فيه أطفال آخرون، فيلعبون لعبا تشجع على اللعب الجماعي المبني على التواصل و التعاون و الريادة Leadership, communication and collaboration.

الألعاب في المجتمعات المتقدمة تحترم السن بطريقة علمية مدروسة، فمع إشباع الأطفال بتلكم القيم و الأخلاق و الكفائات Skills and ethics، لا يجب أن ننسى أن الألعاب المتوفرة تتضمنها أفكار و وضعيات مختلفة تساعد الأطفال على الإنفتاح على الآخر Open mind، و كذا اللغات و الثقافات و لا تخلو من التشجيع على الفكر النقدي Critical thinking، و وضع النفس مكان أناس آخرين في وضعيات مختلفة و صعبة في مناطق التوتر و الحروب أو المجاعة أو التلوث. تدفع هذه الأشياء إلى زرع روح التفكير في الغير بدء بالمحيط فالمدينة ثم الوطن فالعالم. فيصير الطفل مواطنا صالحا محليا بمعايير عالمية Global citizen , think global and act local.

مقالات مرتبطة

مع الأسف جل من تحدثت إليهم من هذا المنظور لم يستطيعوا تقبله و يجنون على أطفالهم بالزج بهم في مدارس مربعة أو مستطيلة ذات أسوار عالية لا تعرف غير اللونين الأسود و الأبيض. مدرسة المردودية العالية في النقاط و الأولى.. مع الأسف تحولت المدرسة إلى ثكنة عسكرية فيها أوامر و مراتب و نياشين، مدرسة متناسقة (ظاهريا) مع سوق شغل محدود المعالم لا يرجى فيه إبداع أو تجديد.

تذكرني مدرستنا اليوم بتلكم التي وجدت في أواسط القرن ال 19 حيث كان المجتمع يرسل الأطفال للمدرسة لسببين لا ثالث لهما : أولا : وضع الأطفال و الرضع في مكان ما قصد التخلص منهم و التفرغ للعمل في المصانع غالبا من قبل الآباء و الأمهات على حد سواء فيزداد الإنتاج و تتضاعف المردودية. تتكفل الشركات و المصانع بتمدرس الأطفال و تفتح هته المؤسسات في بعض الأحيان دور حضانة و مدارس في بعض الأحيان داخل أسوارها. ثانيا : إنشاء جيل من الشباب المطيع المؤدلج و الذي لا يفكر خارج نمط محدد Thinking out of the box، و مستعد للدخول في الدورة الاقتصادية مبكرا فيصير عاملا مطيعا للمشغل في نظام و انتظام فتكثر ساعات عمله و تكبر المردودية و تقل المطالب و تهجر الحقوق بل و يهجر حتى التفكير فيها لأن المباريات ثم الحسم في نتيجتها قبل الدخول إلى الملعب، أقصد في المدرسة التي تحدثنا عنها و التي لا يستسيغ المتخرجون منها فكرة أن الطفل يحتاج الى اللعب أساسا.

لقد صار التغيير من نمط التفكير أمرا ملحا اليوم قبل الغد و علينا أن نعلم أن الطفل المتوازن اليوم هو الشاب الواعي غدا فالرجل و المرأة المواطنون الصالحون بعد غد.