الانسان ابن بيئته

0 501

الانسان ابن بيئته.. و ما أدراك ما بيئة السكانديناڤ.. أحفاد الفايكينغ في القوة و العمل و عزة النَّفْس ثم أبناء المفكرين و الشعراء و المخترعين الذين تعاملو بطريقة نقدية مع الموروث الڤايكنغي السلبي الهدام و الدامي المتوحش و المدمر عكس ما فهمه بعض إخواننا المتتبعين لبعض المسلسلات الاستهلاكية… و مع كل هذا الزخم التاريخي و الموروث الحضاري و الثقافي فإن ما يسري هنا يجسد مقولة : الفتى من يقول ها أنا ذا و ليس كان أبي..





السكانديناڤ حسب الكثير من الدراسات و التقارير التي مررت عليها في الماضي من أسعد الشعوب في العالم، و يتجلى ذلك في البلاد و المدن و الأحياء و الأزقة و الزقاق.. رجال و نساء يبدعون في الحياة و العمل و أوقات الفراغ. متميزون في التعامل مع الغير و لديهم حس عال فيما يخص فن التواصل.

يقدسون الطبيعة و يحتلون المراتب الأولى عالميا في المحافظة على البيئة. “سيدي.. هل تحتاج فعلا إلى الفاتورة؟” جملة ترددت إلى مسامعي عدة مراة في الفندق و المقهى و محل البقالة.. بل و حتى عند شراء تذاكر القطار و المسرح اذ يكفي أن تري للمحصل نسخة إلكترونية للحجز على هاتفك الذكي.. فذلك يفي بالغرض.. لأن طبع الفاتورة على الورق معاد للبيئة.

يقدسون العلم و التعلم و يبدعون في طرق تيسيره للتلاميذ و الطلبة و أكبر مثال على ذلك كون أم الجامعات السكاندنافية تتواجد بمدينة غير بعيدة عن ستوكهولم عاصمة السويد و نبض حياة المدينة غير الصغيرة يدور حول الجامعة و العلم.. وقفت في زيارتي أمام بناية كبيرة تشبه كثيرا مباني القصور.. لكن سرعان ما اكتشفت أنه ليست البناية بقصر أمير و لا بقلعة سلطان أو بمقر سفير و لا ببلاط ملك..

- الإعلانات -

إنها المكتبة، و ما أدراك ما المكتبة.. دار العبادة العلمية حيث لا شيء أقدس من العلم و التعلم.. طالب العلم فيها مدلل و حول راحته يدندن بضم الياء و فتح الدال.. يطلب كتابا فيجيء له بعشر، يحتاج الى مكان للمذاكرة فيشيد له البنيان.. يحتاج لقسط من الراحة فتعبد له الطرقات للتنقل في نزهات.. تغرس له الأشجار في الحدائق و تقام له الحفلات..

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

هنا مدينة Uppsala، هنا السويد، هنا المدينة الجامعة تحت سماء مفتوحة لا تعرف السور أو الحدود.. وسيلة النقل الرسمية هي الدراجة الهوائية و كفى بها وسيلة..

يقدسون مقولة “العقل السليم في الجسم السليم” فترى الحدائق و الشوارع و الطرقات بها ممرات بالكيلومترات خاصة بالتنقل على الأقدام و أخرى بالدراجات الهوائية و تعطى لهم الأسبقية و الأولوية، لسان حالهم يقول لا خير في جسم لا يعرف الرياضة. لا توجد ساعة في اليوم تخلو فيها المدينة من شباب و كبار بل حتى الكهول و هم يمارسون الرياضة..



يقدسون الديموقراطية و حرية التعبير و التجول و التجمع و حتى العزف على آلات الموسيقى و الغناء و الرقص في الشوارع و الأماكن العامة. التسول عند البعض عمل بعرق الجبين يمتع المارة بقطعة موسيقية أو بشعر أو بغناء.. لكني اكتشفت كذلك أن المسألة سلاح ذو حدين اذ استغل بعض الوافدين الجدد من أوروبا الشرقية “سذاجة” هته الحرية المطلقة لتحقيق مآرب أخرى.. لكن المسألة لا تعدو تمثل أقلية قليلة مع ظهورها المتنامي في وسط المدن الكبرى حيث تشكل المسألة تلوثا سمعيا و بصريا يشمئز منه السامع و الناضر.. لا يعدو الأمر أن يكون أكثر من ضريبة الديموقراطية و الكل يهون في سبيلها.

هذه نبذة صغيرة على ما رأته عيناي خلال زيارتي للبقاع مع تفادي الدخول في تفاصيل أخرى سلبية لان الهدف من هذا المقال ليس تحليل المجتمع و قيمه بل فقط إعطاء نبذة صغيرة على بعض الجوانب الجميلة من كوكب السكانديناڤ.. و الهدف الأسمى وراء هذا كله هو تقريب صورة بلد وصل الى مستوى معيشي غير مسبوق، السبب أو الشرط أو المقوم الأساسي في سبيل وصول بلدان مثل المغرب إليه ليس هو التقليد في اللباس و المشي و المقاهي و الملاهي و ما الى غير ذلك، بل هناك طريق واحد و هو طريق العلم و التعلم و تطوير المهارات الشخصية لموارده البشرية منذ نعومة الأضافر.. غير ذلك لن يكون حالنا الا صورة ممسوخة و مشوهة من المجتمعات التي تفننا في تقليدها شكلا لا مضمونا.



- الإعلانات -