القضية التي في خاطري..

0 926

عَلى بساط الريح، الذي سافرَت به إلى الحرية ليلى، كان سفري يومَها الذي لم ينتهِ بعد.. و على صرخة الذُّرَّة طفل الحجارة كلما نام الضميُر ملءَ جفنَيْه صحوت في هلع .
من قال أني نسيت الياسين يعلنها “أملي أن يرضى الله عني” و صاروخا أنهى عذبَ تِردَادِها بأذنَيَّ فجرا، وأنا بعدُ ما برحت صباي.. ومن ذا الذي يفتري أني ما ذكرت بعد أناشيد الأمجاد، وشعارات الصمود، ومسيرات الرفض التي عرفتها مع أول ما عرفت على البسيطة؟.. لا زلت لا أنسى دمعَ أطفال الشهيدة، قد فَدَتْ بالروح أرض الأنبياء، وملاحما في صبرا، ومدامعا في غزة، ومواجع الأحرار في أرض الخليل.. و كنافة نابلسية، والبرتقال اليافاوي وطير رفح والجليل .. هنا القدس ، بمسحة من عزة تلثم قلبي مثلما شاءت فأحيا وفرح من رفَح يطرق باب قلب مترف بالشوق فيبتهج.

أنا قد نشــأت كما زيتون الأرض، أرمي من جذوري بين أعماق الثرى .. قد علموني أن صوت الحق يثبت رغم عصف البغي في أفق الذرى ! فمضيت أنثر حيثما كنت على الآفاق ألوان البطولة والصمود، .. من حُمرة دم الشهيد، و خضرة الأرض الولود، و ذا سوادُ رصاصِ عزٍّ يقصف المحتل يرديه شتات، فترى بياض الطهر يرفرف كالحمام إذا استقرت به الحياة..




مرت سنين الصبا والشباب الأول زاهية بذا الحب المقدس، ترتوي منه لتحيى ،قد نذرت لقضية فلسطين حبها و وفاءها فنسيت نفسها ، حتى كاد يذكر القضية كل من يلقاها ، وما أكثر من نادوها “فلسطين” عند اللقاء إذ لكأنك بها حقا أقصى يمشي بين الناس.

مقالات مرتبطة


[…] إلى أن حل ما لم تَدْرِ بحدوثه إلا بعد أن فاجأها.. هي التي لطالما صاغت الكلمات والحجج ، وخاضت المعارك الدفاعية والإقناعية بأحقية الأرض لأهلها، وبطلان امتلاك المحتل لها بأي الوجوه .. هي التي حملت هم زرع القضية في قلوب النشء قبل الراشدين، وحيثما حلت كانت عند عهد التبليغ ، وإيصال صوت الحق المبحوح في الأرض الدامية المعزولة ..
لقد باغثها البكم فما عاد لصوتها من صدى، ما العيب في الفضاء بل في الصوت إذ صار عليلا صامتا..
“ما الأمر؟” .. لا شيء استجد سوى انهزام زلزل الأركان ، ليرفع العقل أعلام الاستسلام.. تلك القوية أَفَلَتْ، و العجز ألجم عزمها ، هي لم تعد “أقصًى يسيُر و لا عادت “هي” نفسها حتى، هي قد غدت شبحا لا روح بين الخافقين تسري عندها ، و لا نبض لذاك الذي بين الجوانح قد أقام..
“ما الأمر؟” يسأل من جديد..




الأمر أن لا شجرا صمد، أو نبت في تربة بور ، كذلك حال المرء ليس يسطع أن يسير ويثبت ، والذات ضمن عداد الضائعين . الحرب حرب النفس يا هذا ، إن أنت تقدر أن تسجل نصرك الموعود في ميدانها، فكر بخوض معارك أخرى ..
كم تائه رفع الشعارات ، و ما كان صوته إلا تضامنا أبلج أجوف ، إذ هو بينه و بين نفسه ضائع في متاهة الحيرة ، مهتز المعالم ، تائه الوجهة.. يداري فراغ بواطنه بنصرة ظاهرية يشفي بها تأنيب ضمير فقد سبل السيطرة على وضعه المعقد..
“إذن نلزم صمتنا، ونقتل صوتنا ، ونترك الباطل على عرش كل البسيطة يطغى، في انتظار قد لا ينتهي لتصالحٍ وذواتِنا السائرة السائلة ؟” أقابل سؤله بصمت خجول، أحاول لَمَّ الكلم والأفكار فأفشل.. وأنسحب لعلي أفر من سطوة سؤالهه المؤجج ليطاردني صداه كلما ابتعدت !
ليس الجواب بالسهولة المظنونة قط، ولا الأمر بتلك البساطة.. لكني بالرغم من كل ذلك، أعي أنما الجريمة الكبرى صمت نبرره بالبحث عن بوصلة ذواتنا، فنجعلها حجة نقذف بها صرخة جريح وشهيد وأسير ولاجئ، وأنما وصمة العار المبينة طعنة تخاذل نُدمي بها بنيانا يكاد يهوي أمام تكالب الأعداء وجبن إخوة الخذلان، كأني بها رقص متقن على أنغامٍ صاخبة ، تتبدَّدُ على إثرها صرخةُ طفلة هدم بيتها فضاع جل أهلها وما بقي لها من حروف الأمل إلا “ألم” ، وأم أفنت سنين العمر لتجعل من فلذات كبدها فخرها فتكون على يد رصاصة واحدة نهاية القصة كالحلم، وشيخ قعيد جاد بالمدامع الدامية قلبه قبل المقل..
خجلى أمام اللوحة المزخرفة بدم البراءة إنني، وعلى إثر الخطى كلما تقدم بي المسير دَرَيْت قدْر خطيئتي.. عتباك يا وجع المجازر و المظالم اغفر زلتي، إني عزمت ، فلزمت ولو على حساب ذاتي إن على أعتاب الحياة تاهت، فاقبلي يا أرضَ حُرٍّ و بطل، قلبا تعهد بالوفاء .. صَهْ أيها الظلم ، صَهْ أيها البغي .. دعنا نُمَنِّي بالسلام الأبيض جرح السنين ..
يا عالم الخذلان، أما لليلك من أفول؟ .. وأنت يا أسير هواه اقتل عدوك فيك ، وعف الرقاد ، إني سمعت للإصباح صوتا من عزة، لا يدركه ولا صداه إلا الثابتون على الخطى..
لك الاختيار ! […]