تهاجر أو تتخندق؟

0 501

في التاريخ عبرة..

يقال أنه من مهد الحضارة في أدغال إفريقيا هاجرت ثلة من الهوموسابينس إلى الشمال حيث المجهول. تحدت هذه الثلة خوفها.. و قررت أن تكسر التوازن الذي ألفته.. وترحل إلى وجهة موحشة بعيدة لا تعرف عنها أي شيء.

ذاك المجهول بالأمس أصبح اليوم بفضل تلك الهجرة حضارة جبارة. تعانق أبنيتها الشاهقة السحاب من طوكيو شرقا إلى منهاتن غربا مرورا بموسكو و إسطنبول و روما و باريس و غرناطة و لندن.





ذاك المجهول بالأمس صار اليوم طائرات و صواريخ و حواسيب تضاهي ذكاء الإنسان.

ذاك المجهول غير معالم الإنسان الإفريقي المهاجر قلبا و قالبا. لم يتبق منه في إنسان الشمال إلا بضع الصبغيات المتناثرة هنا و هناك. غيرت الهجرة في أولئك الذين هاجروا كل شيء حتى استحال ذاك اللون الأسود القاتم إلى بياض أنصع من الثلج.

تغير كل شيء حتى دارت الحياة دورتها و عاد ذلك الإنسان، الذي تكبد عناء الهجرة منذ عشرات آلاف السنين، ليستعمر و يقهر أولئك الذين اثاقلوا إلى الأرض في أدغال إفريقيا.

هاجر نفسك..

مقالات مرتبطة

عندما تحزم أمتعتك و تركب قطار الرحيل فإنك لا تترك ورائك مجالا جغرافيا و بيئة و ثقافة و حسب، بل إنك تهاجر منك إليك. تترك شخصك القديم الذي كنت بالكاد تعرفه و تعي ماهيته لتعانق شخصك الجديد. تسائله، تختار له، و تعيد بناءه من جديد.

إنك تخرج من ضيق النمط الواحد إلى أنماط متعددة كألوان الطيف. تكتشف أنك و عشيرتك و ثقافتك و دينك لستم إلا نقطة في بحر ممتد، تشارككم فيه ثقافات و ديانات و عشائر أخرى تكاد تكون لا حصر لها.

كنت قبل الهجرة ترى العالم من غرفتك المغلقة، فتظن أنك و عشيرتك مركز الكون، و أنكم الصواب، و أن ما وجدتم عليه آبائكم هو مناط الحدوة و الاقتداء. لكنك سرعان ما تكتشف، بعد الهجرة، أن غيرك يمر بخلده عن ثقافته و دينه أو لا دينه و حضارته نفس التمثلات التي لديك. و أنه متمسك بها عن غير وعي كما أنت لحد الثمالة. حتى إنه مستعد ليزهق أرواح الآخرين المختلفين عنه من أجل أن يثبتها.




 

بعد برهة تأمل، يتكشف لك مليا أنك أنت و هذا الغير المختلف مجرد فرائس في شباك الآبائية و الثقافة الأم. يتضح لك أن العالم ليس أبيض و أسود بل مزيجا متشابكا جميلا من الألوان و الأشكال. كما يتجلى لك أن رؤيتك القديمة للعالم و الناس من زاوية “فكر مثلي أو أنت ضدي” لعمرك رؤية ضيقة مخنوقة تقتل روح الإنسانية فيك.

لماذا عليك الاصطفاف في طابور المقلدين عن غير وعي؟

لماذا عليك التخندق في ما وجدت عليه نفسك لم تختره لها بل رضعته في حليب أمك؟

لماذا عليك أن تدافع بشراسة عما لم تمحصه دفاعا قد يصل إلى حد إزهاق الأرواح في حروب بشعة القاتل و المقتول فيها ضحايا أفكار هدامة؟