عم تبحث ؟

0 722

و أنت تُصارع همتك في الصباح لتفارق حُضن السرير الدافئ، و تتجنب النظر إلى مرآة الحمام كي لا تُصدم بمنظر وجهك الأصفر، و تتحاشى سب التعب الظاهر على محياك أسفل عينيك، بارزٌ لك يحييك تحية استحياء كضيف جاءك في وقتٍ غير مناسب للزيارة، و أنت تُداعب الصمت الصباحي بسبب سوء مزاجك، و تتحاشى زملائك لأنك مللت من رؤيتهم كل صباح، هل سألت نفسك وسط كل هذا الركام النفسي، لماذا تُقاوِم من أجل الحياة ؟

الحياة حرب، و أصعب ما في الحرب هو أنك تكتفي بالتوقع، أما التطبيق فيكون عند النزال، و لن يكون أمامك حينها متسعٌ من الوقت لبحث وسائل الكر و الفر، و الرابح في الحرب من يتوقع كل شيء و لا يترك لعدوه مجالا للتوقع، و أنت في هذه الحياة شئت أم أبيت محفوف بالأعداء، و ليس العدو دائما كائن حي، قد يكون فكرة أو تصورا خاطئا، و ليس عدو الإنسان ما يجهل كما قيل، بل عدو الإنسان أن يظن أن ما يعلمه علم اليقين هو الصواب و هو في الحقيقة خطأ.





هل سألت نفسك يوما وسط هذه الحرب الضروب، عما تبحث ؟ لا أقصد بالسؤال مجرد السؤال كما تفعل كل صباح عندما تسأل رئيسك في العمل كيف حالك و أنت لا تأبه لحاله، بل أقصد هل تمعنت في السؤال ؟ هل ضربت الأخماس بالأسداس يوما و أنت تشرب قهوة الغروب في ذلك المقهى الخارج عن المدينة هربا من الحياة، كما يخرج القائد من ساحة الحرب لتجديد العزم و تمكين العقل من رؤية واضحة من خارج الصندوق ؟

فلنقل أن الحرب فُرضت عليك، و أنك استيقظت فجأة فوجدت نفسك في قطارٍ اسمه الحياة، يجري بلا توقف، يتجه ربما إلى حتفه، و ليس لك إلا أن تتأقلم مع الوضع، في ظل هذه الرحلة السريعة، توقف عن لوم القطار و انظر ماذا يمكنك أن تستفيد من هذا السفر، غُص في جوفك، و ابحث في أعماق نفسك عما تريد فعلا، عن ذلك الشيء الذي إذا ما بحثت عنه و تمكنت منه وَصلْت به جوانب عديدة في الحياة ما كُنت تحلم بها يوما.

مقالات مرتبطة

سمِعت مقدمة عن المغني ستينغ (Sting) تقول فيها المذيعة أن شعاره كان : “طوال حياتي حاولت البحث عن الحقيقة و جعلها جميلة”، و الحقيقة هنا تعني كنه الأشياء، و البحث عنها هو شعور فطري يلازمنا منذ بداية الإدراك، البحث عن الحقيقة يتجسد في تلك الأسئلة الكثيرة التي يبحثها الطفل مع محيطه، و الحقيقة المطلقة الأبدية هي الله، و منها تنبثق الحقائق الأخرى في هذا الكون، و البحث عنها إنما هو بحث عن عمق الأشياء الذي تصل به إلى جوانب عديدة في الحياة تدفعك إلى الزهد و الإبداع و الكثير من النعم التي ما حلمت بها من قبل.

أكثر ما شدّني في شخص راغنار ملك الفايكينز، الملك الذي وحّد الفايكينز للمرة الأولى في تاريخهم، و اجتاح بريطانيا طولا و عرضا و وصل بشعبه و حملاته إلى باريس و حاصرها شر حصار و تفنن في الدخول إليها، بعد أن اتجه غربا في أعالي البحار مغيرا بذلك معتقدات سائدة قديمة كانت لا توجه الغزوات إلا للشرق، ناضل من أجل فكرته و فرّط في الغالي و النفيس و دحض كل أساطير الآلهة، و لما سُئِل لم تقوم بكل هذه البطولات ؟ ما الحافز وراء كل هذا الاندفاع ؟ أجاب : التّعلّم ؛ الدافع الوحيد هو حب الاطلاع و رغبته في تعلم أكبر قدر ممكن من هذه الحياة.




و لما أن عاد من أولى غاراته نحو الغرب، صادر زعيمهم كل ما أتى به من كنوز و أموال و عبيد بتهمة عدم الامتثال للأوامر، و أمر بألا يختار راغنار إلا شيئا وحيدا من الأشياء التي غنِمها، اختار راغنار عبدا كان قسا لدى الانجليز، عمّت دهشة عارمة بين أوساط القبيلة، حرّر راغنار القس و طلب منه أن يعلّمه لغة الإنجليز و ثقافتهم و ديانتهم و كل صغيرة و كبيرة تتعلق بهم، ثم كان له عونا في دخول فرنسا بعد أن ربّى فيه حلم الرحلة إليها و اجتياحها، و حدثه عن أسوار باريس و طُرُق ولوجها، فكان هذا القس الضعيف الذي استأثر به على دهشة من القوم مفتاح كل المستقبل الباهر الذي فرش طريق المجد لراغنار، بَحثَ عن التعلم فوجد في طريق البحث المجد و الاحترام و التخليد و الكثير من الملكات التي كانت مجرد أحلام في الماضي القريب.

الفكرة هي أن تحدد عما تبحث، و أن تَنهِتج في سبيل ذلك أدوات بحث دقيقة ترتكز حول شخصيتك و غريزتك و جيناتك… الإنسان ليس آلة، لا يُعامل كل الناس معاملة رجل واحد، و لن ينفعك خبير أو طبيب في تحديد ما تريد، وحدك تستطيع اختيار ما يناسبك بين الحقيقة و التعلم و التحدي و غيرها كثير من الأشياء التي تستحق عناء الحياة، و التي وَجَبَ ادراجها بشكل يومي في كل ما تقوم به لتقوم به بطعم مختلف، و ليُوصِلك لنتائج ملموسة، و تُدرك بإدراكه جوانب حسية و معنوية في الحياة، تعاش و لا توصف.